الاستقلال/ محمود عمر
تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لاستغلال أزمات قطاع غزة وتطويع معاناتها الناجمة عن استمرار الحصار الإسرائيلي منذ 2007، في سبيل تمرير صفقة القرن، وفصل القطاع عن الضفة الغربية من خلال تقديم حلول لأزماتها في معزل عن القيادة الفلسطينية، كجزء من تهيئة الأرضية لفرض السياسة والرؤية الأمريكية الخطيرة في المنطقة.
وكشف ديبلوماسي غربي، أن الإدارة الأمريكية تعتزم عقد لقاءات للدول المانحة بهدف توفير التمويل لمشاريع "حيوية" و"إنسانية" في قطاع غزة، كما أنها تُخطط للعمل في القطاع بمعزل عن السلطة الفلسطينية وحركة حماس، مشيراً إلى أن البحث عن حلول لأزمات غزة بالطريقة الأمريكية يأتي في سياق تهيئة الأرضية التي ستقوم عليها صفقة القرن.
وعقد البيت الأبيض يوم الثلاثاء الماضي، مؤتمرا حول "الأزمة الإنسانية في قطاع غزة" وشارك فيه 19 دولة بينها إسرائيل ودول عربية، وسط رفض فلسطيني رسمي وفصائلي لهذا المؤتمر، الذي أكد أن حل الوضع في غزة هو أمر حيوي لأمن مصر و"إسرائيل"، وخطوة ضرورية نحو التوصل إلى "اتفاق سلام" شامل بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
وانتقدت أمريكا السلطة الفلسطينية لعدم مشاركتها في المؤتمر وقالت: "أمام السلطة فرصة للانضمام إلى الجهود الدولية الرامية إلى معالجة المشاكل الإنسانية في غزة، وفي حال انضمت سنرحب بها، لكن إن لم تفعل، فسنعمل من دونها".
وفي ذات الإطار، كشف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، الجمعة الماضية، أن مسؤولين سعوديين تسلموا نسخة من "صفقة القرن"، وأوضح أن الصفقة تقع في 35 صفحة، وعلمت بها السلطة الفلسطينية بالكامل، وعلقت السلطة بقولها: "لن تجد فلسطينياً واحداً يقبل بهذه الصفقة"، بحسب ما صرح به مسؤول فلسطيني رفض الكشف عن اسمه.
وتقضي الخطة بدولة فلسطينية بحدود مؤقتة تغطي نصف الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، وبدون القدس المحتلة، والبدء بإيجاد حلول لمسألة اللاجئين. كما تقول الصفقة إنه على الفلسطينيين بناء "قدس جديدة" على أراضي القرى والتجمعات السكانية القريبة من المدينة، وبقاء الملف الأمني والحدود بيد "إسرائيل"، فيما تبقى المستوطنات هناك خاضعة لمفاوضات الحل النهائي.
وعن المدينة القديمة في القدس التي فيها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، تقضي الخطة بإنشاء ممر من الدولة الفلسطينية الجديدة إلى القدس القديمة للعبور هناك لأداء الصلوات.
الجهاد وحماس ترفضان
وكانت حركة الجهاد الإسلامي، أكدت رفضها مؤتمر أزمات غزة الذي ترعاه واشنطن، محذرةً من أنه يحمل "أهدافاً خطيرة". وقال مسؤول المكتب الإعلامي في الحركة داود شهاب في تصريحات سابقة لصحيفة "الاستقلال": "إننا نرفض الاجتماع بجملته، ونرى فيه حلقة جديدة من حلقات التآمر الصهيوأمريكي على القضية الفلسطينية".
وأوضح أن الاجتماع يؤسس للتعاطي مع غزة، كملف بمعزل عمّا يجري في باقي مناطق فلسطين المحتلة، وهذا يعيدنا إلى مؤامرة عزل أو فصل غزة، مؤكداً أن شعبنا يرفض أن يقايض أياً من حقوقه وثوابته، مقابل حفنة مساعدات تتحكم فيها كمًا ونوعًا الإدارة الأمريكية المجرمة.
وفي وقت لاحق، اتهم القيادي في حركة "حماس"، سامي أبو زهري، الولايات المتحدة الأمريكية بمحاولة توظيف أزمات قطاع غزة ومعاناة أهله لفرض لرؤيتها لحل الصراع في الشرق الأوسط على حساب الحقوق الفلسطينية، من خلال فرض "صفقة القرن".
عزل غزة
ويقول أمين مقبول المستشار السابق لرئيس السلطة محمود عباس لـ"الاستقلال": "إن مؤتمر بحث أزمات غزة، يصب في إطار التحضير لعزل قطاع غزة بشكل كامل عن الضفة بما يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية في غزة وجزء من سيناء كما هو مقرر في صفقة القرن، واستفراد إسرائيل بالضفة الغربية والقدس".
وشدد على أن السلطة الفلسطينية ستواجه هذه الصفقة بكل ما تملك من قوة ولن تخضع لها مطلقاً، كونها منحازة بشكل كامل لصالح الاحتلال الإسرائيلي، وذوبت الحقوق الفلسطينية التي أريقت لأجلها الكثير من الدماء الفلسطينية وارتقى لاستعادتها آلاف الشهداء الفلسطينيين.
وأكد مقبول أن السلطة سترفض المشاركة في أي من هذه المؤتمرات المشبوهة، التي تسلب الإرادة والسيادة الفلسطينية وحق الفلسطينيين في تقرير المصير الذي كفلته الشرائع والقرارات الدولية، واصفاً ترامب بـ"الثور الهائج الذي يحاول اخافة الجميع وفرض سياسة جديدة عنصرية على العالم".
وأضاف مقبول: "حتى لو اضطرت السلطة لتجميد خيار التفاوض مع الاحتلال حتى نهاية حقبة ترامب السوداء، فهي لن تتوانى عن فعل ذلك، وليس شرطاً أن تتم التسوية في عهد الرئيس محمود عباس فربما سنواصل صمودنا أجيالاً أخرى حتى استعادة حقوقنا".
ودعا مقبول، حركة حماس وكافة الفصائل الفلسطينية للعمل مع السلطة الفلسطينية للتصدي لهذه الخطة التي تستهدف الكل الفلسطيني، مشيراً إلى أن الرئيس عباس يتعرض لضغوط كبيرة من دول عربية وغربية للقبول بهذه الصفقة.
وكانت صحيفة القدس الفلسطينية، أفادت بأن دولتين عربيتين تحفظت على اسميهما تمارسان ضغوطا كبيرة على رئيس السلطة محمود عباس والملك الأردني عبد الله الثاني من أجل إقناعهما بالانخراط في صفقة القرن، التي سيطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحل إقليمي للصراع العربي الصهيوني.
وحسب المصادر، التي استندت إليها الصحيفة، فإن صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر المكلف بهذا الملف قد أجرى مؤخرا زيارة سرية إلى عاصمة عربية بحث خلالها موقفي رئيس السلطة والملك الأردني وطلب منها الضغط عليهما.
خطورة كبيرة
المحلل السياسي اللبناني والباحث في السياسات الأمريكية، قاسم قصير، أكد أن صفقة القرن تحمل خطورة كبيرة مستمدة من الأهمية الكبيرة التي يوليها ترامب لها بمنحها أولوية تفوق اهتمامه بأي من ملفات المنطقة الأخرى مثل الملف النووي الإيراني أو أزمة كوريا الشمالية أو الأزمة في سوريا.
وقال قصير لـ"الاستقلال": "يراد من صفقة القرن إيجاد حلول لقضية عالمية مستمرة منذ عام 1948 وحتى يومنا هذا، لذا يسعى ترامب لكسب إنجاز شخصي يثبت من خلاله أنه استطاع فعل ما لم تفعله الإدارات الأمريكية السابقة، من خلال تحييد القدس أولاً وإبعادها عن طاولة مفاوضات التسوية، ثم فرض صفقته المشؤومة القائمة على فرض القوة والإجبار والانحياز الكامل للاحتلال الإسرائيلي".
وأوضح أن ترامب يسعى من خلال هذه الصفقة، لإنهاء ملفات عالقة وصعبة أخرى، بطرح حلول مشلولة وغير واقعية، مثل ملف قضية اللاجئين الفلسطينيين إذ يسعى إلى توطينهم في جزء من سيناء يتم ضمه إلى قطاع غزة.
وحول رفض السلطة لهذه الصفقة وممارسة الضغوط العربية عليها، قال المحلل السياسي اللبناني: "لا يمكن لأي فلسطيني القبول بهذه الصفقة، فهي حكم إعدام بحق القضية الفلسطينية، لذا من الطبيعي أن يستغل ترامب علاقته مع بعض الدول العربية التي رضيت لنفسها أن تكون في مربع الاستسلام، لممارسة الضغوط على رئيس السلطة عباس وعلى أي رئيس دولة عربي يرفضها".
وعبر قصير، عن مخاوفه من أن يسود الوطن العربي خلاف آخر بسبب صفقة القرن، وتابع: "لا استبعد أن يتشكل محوران عربيان حول هذه الصفقة، محور رافض لها، ومحور مؤيد، وفي حال حدث ذلك فهذا يعني مقدمة لخلافات جديدة وانقسامات جديدة في المنطقة العربية".


التعليقات : 0