التحليل السياسي/ عامر خليل :
في ظل حالة الاستعصاء الآخذة في التفاقم في المشهد الفلسطيني وتداعيات التفجير الذي استهدف موكب رئيس حكومة الوفاق الدكتور رامي الحمد الله الاسبوع الماضي والذهاب نحو اجتماع اخر للمجلس الوطني الفلسطيني دون تحضير وتفاهمات تجعل الكل الفلسطيني جزءا منه؛ تبدو الخيارات معقدة بانسداد افق المصالحة ودخولها في نفق مظلم واذا ما اضفنا الى ذلك المشهد العربي والدفع في اتجاه تركيز الاضواء على قضايا اخرى وتهميش القضية الفلسطينية فإن البحث عن مخارج لكل ذلك يبدو ضروريا وواجبا بإعادة التركيز على الصراع حول الاحتلال ومواجهته وهو الوحيد الكفيل بتقزيم كل النزاعات والخلافات الاخرى والانتقال الى مرحلة جديدة تفرض على الجميع لعب دوره المطلوب في اعادة البوصلة نحو فلسطين.
قد تكون فكرة مسيرة العودة الكبرى احد المخارج المهمة في اعادة الالتحام مع الاحتلال بطريقة اخرى وهي بنجاحها ستضع كل اقطاب المشهد الفلسطيني امام مسئولياتهم ليأخذوا دورهم في انجاح المسيرة والوصول بها الى نتائج ملموسة ولا يخفى هنا ان العقبات والتحديات كبيرة واحتمالات الاخفاق واردة لكن بالشكل المنظم والمتدرج الذي يسير فيه الاعداد للمسيرة فان النجاح يتبدى اكبر من الفشل ويدلل على ذلك حالة القلق الاسرائيلي الكبير من هذه المسيرة والاستعدادات التي تجري لصدها وقتلها في مهدها من خلال الاجراءات التي بدأ جيش الاحتلال في الاستعداد لها.
مسيرة العودة الكبرى لا تعني انها ستتحقق اليوم او غدا بل عملية نضالية متواصلة وطويلة قد تمتد الى العام القادم والذي يليه بحيث تتوفر الظروف المناسبة لإخراجها الى حيز التنفيذ والهدف هنا واضح في اطالة الاعداد والاستعداد لها بحيث تصبح في بؤرة اهتمام الفلسطينيين والعالم والاعلام، وذلك سيكون اهم انجازاتها في تسليط الضوء على القضية الفلسطينية وعلى رأسها اللاجئون المتواجدون على بعد مئات الامتار من اراضيهم وقراهم وهي ستبرز حقيقة الصراع مع دولة الاحتلال في ملايين الفلسطينيين الذي مضى على تهجيرهم سبعة عقود دون ان يعودوا الى ديارهم.
مسيرة العودة التي ستبدأ بالتخييم على حدود قطاع غزة في الثلاثين من الشهر الحالي يوم الارض وصولا الى الذكرى السبعين للنكبة ستكون علامة لافتة في مسيرة النضال الفلسطيني وهي وسط الانقسام وتعثر المصالحة ستكون نقطة التقاء لجميع الفرقاء في الساحة الفلسطينية حتى المختلفين وبداية مهمة ستؤثر على مسار الخلافات وتشعر الجميع ان قضيتهم الحقيقة هي المواجهة مع الاحتلال وفي ظل الاوضاع الصعبة التي يعيشها الناس في غزة فان الحافزية ستكون اكبر للخروج والمشاركة في التخييم ومن ثم مسيرة العودة الكبرى.
تشكيل لجنة وطنية للاشراف على المسيرة وما انبثق عنها من لجان مختلفة بما فيها اللجنة الاعلامية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج لها واستدعاء الناطقين بالإنجليزية للمشاركة في الجهد الاعلامي يعني ان المشرفين على المسيرة درسوا واخذوا بالحسبان كل عوامل التأثير والنجاح والدور البارز للشباب فيها ومؤسسات المجتمع المدني يعزز ذلك ويدفع في اتجاه توظيف كل الطاقات الفاعلة في المجتمع من اجل التحشيد لخروج الناس في المسيرة، والمأمول والمراد خروج عشرات الالاف بشكل متدرج وصولا الى مليون مشارك في المسيرة حتى اتخاذ القرار باقتحام السلك الفاصل والمشي على الاقدام الى قراهم التي طرودا منها قبل سبعين عاما سيكون تطوراً لافتاً في هذه اللحظة.
من المؤكد ان دولة الاحتلال تراقب الاستعدادات المختلفة لهذه المسيرة بقلق شديد وتعمل على مواجهتها بطرق ووسائل مختلفة الا ان الامر هنا مختلف امام عشرات ومئات الاف الفلسطينيين الذين لا يحملون سلاحا ولا حجرا سوى ايديهم المرفوعة باعلام فلسطين وهم في طريقهم الى بلادهم في اراضيهم في الـ 48 والسؤال الذي يطرح نفسه ما الذي يمكن ان يفعله جيش الاحتلال وما هي الادوات التي سيستخدمها لوقفها ؟ وهل ستلجأ الى القوة لإفشالها باستخدام الرصاص بأشكاله المختلقة والغاز المسيل للدموع وحفر الخناق .... وفي ظل حضور وسائل الاعلام التي تنقل ببث مباشر مسار المسيرة التي تسير بشكل سلمي فستكون معركة الاعلام حاضرة بقوة وستنتصر الصورة الفلسطينية المجردة وتنتقل الرواية الفلسطينية بحقيقتها التي حاول الاحتلال إخفاءها او تشويهها على مدى العقود الماضية.
السيناريوهات التي يضعها جيش الاحتلال الإسرائيلي للتعامل مع مدن الخيام التي ستقام على طول حدود قطاع غزة، ومع مسيرات الآلاف نحو عشرات النقاط على طول الحدود، ومحاولة عبورها، ومحاولة الدخول إلى المستوطنات في الضفة وتجمع عشرات الالاف على حدود فلسطين مع لبنان وسوريا ستشكل تحديا كبيرا لدولة الاحتلال ويشير تسفيكا فوغل، القائد الأسبق للمنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال في مقال له في صحيفة "اسرائيل اليوم" : «قد نجد أنفسنا في وضع تشغيلي وإعلامي محرج. يجب أن نكوّن الواقع المستقبلي، فقط المبادرة المبنية على تقدير جيد، تخلق فرصة لحياة طبيعية من كلا طرفي الجدار المحيط بغزة»، بينما يطالب المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" عاموس هارئيل، ضبط النفس والحكمة لمنع ما اسماه المواجهة العسكرية الحقيقية.
مسيرة العودة الكبرى تعتبر تحولا مهما في سياق الصراع اذا احسن استخدامها والاعداد لها فستشكل منعطفا مهما في الصراع مع الاحتلال وستترك تداعيات ايجابية تفرض انتزاع الحقوق والاستحقاقات منه رغم محاولته ربطها بالحصار والاوضاع الحياتية الصعبة في قطاع غزة.


التعليقات : 0