في يومهن

أمهات الأسرى.. حكاية وجع متجددة

أمهات الأسرى.. حكاية وجع متجددة
الأسرى

غزة/ سندس أبو كرش

الحادي والعشرون من شهر مارس/آذار تنهال تهاني وهدايا الأبناء على من وهبنهم الحياة ،أمهاتهم ، بمناسبة اليوم العالمي للأم، في أجواءٍ من السعادة الغامرة لقلوب الجميع، ومنهم من يكتفي بعبارة " كل عامٍ وأنتِ بخير"، لتجد طريقاً سريعا إلى قلوب الأمهات يتلوه الرضا والثناء اللا محدود. 

 

تلك الأجواء شغلت الكثير عن ذلك الوجع الذي ينهش قلب والدة الأسير الفلسطيني، وجع لا يمكنْ أن تترجمه حروف اللغة أجمعها، فتفاصيل يومها اختلف عن باقي الأمهات، ولا شيء يُخفف عنها سوى أن يُهديها الأحرار حرية ابنها الذي غيبته السجون وسرقت أجمل سنين عمره.

 

أهدوني خبراً !

 

والدة الأسير أم ضياء الأغا، في يوم الأم العالمي تعيش على ذكريات نجلها الذي تجاوز الأربعين من عمره، بعدما غيبته سجون الاحتلال عن أحضانها قسراً منذ 26 عاماً، مستذكرة طلّته البهية وكلماته وضحكاته البريئة، فكان أجمل ما في حياتها التي أصبحت باهتة منذ اعتقاله.

 

وتقول الأغا لـ "الاستقلال"، «كان عمره 16 سنة، حينما تخلى العالم عنه، وتركه وحيداً في معركته مع الاحتلال، كما فعل بالشعب الفلسطيني، ليُحكّم عليه بالمؤبد، وبعد شهر من الآن سُيتمم عامه (43) قضى منها 26 عاماً خلف قضبان الأسر».

 

وأردفت :" كل يوم من 26 عاما كان يمر وفي جعبته لون جديد من ألوان العذاب لقلبي، الذي تفطّر شوقاً لحضن دافئ يجمعنا، فما بالكم بيوم الأم أو أي مناسبة كانت تحمل ذكريات مع ضياء، أتذكر يوم أن دخل البيت وفي يده "تحفة" قدمها لي وهو يقول: "كل عام وأنت بخير يا أمي"، ومنذ ذلك اليوم وأنا أتأمل تلك الهدية، وكلماته ما زالت ترن في أذني، فلم ولن أنسَى وقعها وجمالها طيلة تلك السنين".

 

ذكريات أم ضياء وغياب نجلها منذ أن كان شبلاً، ليس الوجع الوحيد الذي يرافقها في هذه المناسبة فحسب، بل يزيد عليها التوتر الشديد الناجم عن قلقها حول مصير ضياء، بعدما منع الاحتلال أخباره عنها.

 

وأوضحت أم ضياء، أن مصلحة السجون الاسرائيلية نقلت ضياء منذ ما يزيد عن ثلاثة أسابيع من سجن نفحة إلى جلبوع، دون أن تُعلِم ذويه بذلك، أو تسمح لهم بالاطمئنان عليه، ليُصبح أكثر ما تتمناه أم الأسير في يومها العالمي هو الاطمئنان فقط على مصير فلذة كبدها، والحصول على أيّ معلومة تُعيد لها الأمل في حريته من جديد.

 

وجع مضاعف

 

قصة أم ضياء ليست مختلفة كثيراً عن قصة أم الأسير ناصر أبو حميد، ولكن الجرعة هنا مضاعفة أضعافاً من الوجع والعذاب، فهي أم لأربعة أسرى وشهيد منهم ثلاثة محكومون بالمؤبد، أي يحتاجون إلى عمر فوق عمرهم لكي ينتهي ذلك الحكم الظالم بحقهم.

 

حينما تواصلت «الاستقلال» مع أم الأسير ناصر، كان الحزن ملاصقاً لكل كلمة تحدثت بها عن أبنائها وأحكامهم العالية، أرقام لم تستطع حفظها، ولن يستطيع أحد تقدير شعورها، إلا من مرّ بذات التجربة من مرارة الألم والبعد والفراق.

 

وفي حديثها عن يوم الأم تقول: "منذ ما يزيد عن 25 عاما لم أعد أعرف طعماً للسعادة في أي مناسبة تمر علينا، فكيف سيكون مذاقها وأنا أعاني الحرمان من رؤية فلذة كبدي، والذكريات تنهش جسدي الهزيل مع كل يوم ينطوي، وكل عام يرحل وأبنائي الأربعة داخل السجون".

 

وتضيف: "الأم في هذا العالم تحتفل في يومها بأبنائها الذين كبروا أمام عينيها لتحصد ثمرة زرعها، وتعيش معهم ذكريات جميلة، لكن بالنسبة لي توقف ذلك الاحتفال عندما اعتقل أبنائي أشبالاً، منهم من تجاوز الأربعين من عمره، وكانوا بأمس الحاجة لي وكُنت في أمس الحاجة لهم حتى هذه اللحظة".

 

حزن كاد أن يخنق كلماتها، لكنها سرعان ما جمعت قواها،  وعادت لترسل التهاني في هذا اليوم للأسرى داخل سجون الاحتلال، وللأم الفلسطينية، متمنية أن يعود "يوم الأم" في العام القادم وقد زالت الآلام وعادت ألوان الفرح تزين حياتها برؤية فلذات كبدها ينعمون بالحرية.

 

ورغم تلك المشاعر الموجعة لقلب هذه الأم إلا أنها تشعر بفخر واعتزاز كونها أماً فلسطينية؛ حيث تختلف عن أي أم بالعالم، فهي من تودع ابنها الشهيد بالزغاريد، وهي التي تحبس الدمعات في عينيها وهي تشاهد ولدها مكبلا بالأصفاد.

 

هذه هي الأم الفلسطينية، وتلك هي أجواء الاحتفال بيومها، وهكذا يكون صمودها وسط جروح كثيرة مؤلمة وموجعة، ولكن فلسطين تستحق ذلك، حسب ما أكدت أمهات الأسرى في يومهن العالمي، واللواتي ينتظرن الأيام لحظة بلحظة ليحتفلن بحرية ابنائهن القابعين خلف القطبان ويصبح عيدهن هو الإفراج الكامل عن كافة الأسرى في سجون  الاحتلال الإسرائيلي.

التعليقات : 0

إضافة تعليق