التحليل السياسي / عامر خليل
غدا تبدأ الخطوة الاولى في مسيرة العودة الكبرى المصادفة لذكرى يوم الارض والتي اخذت زخما اعلاميا مهما يدلل على حسن الاعداد والتخطيط الدقيق كي تأتي بأهدافها المبتغاة وتكفي ردود فعل الاحتلال الاسرائيلي لتؤكد على ذلك بينما التفاعلات التي احدثتها في اكثر من مكان تبين الاثر الكبير لها وابعادها وتداعياتها المختلفة على اكثر من صعيد وهي رغم سلميتها الا انها لا تنفى اشكال المقاومة الاخرى بما فيها المسلحة وفي ظرف اقليمي ودولي معقد قد يكون الحراك الجماهيري السلمي ذا نتائج ايجابية، ومخاوف الاحتلال من الحشود الكبيرة التي تتجه الى حدود قطاع غزة مع اراضي 48 والخشية من مشاركة تجمعات اللاجئين الفلسطينيين في اماكن تواجدهم بزحف جماهيري الى حدود فلسطين والمستوطنات تدلل على ذلك الا انه يمكن رصد العديد من الابعاد ذات البعد الاستراتيجي مع انطلاق مسيرة العودة منها:
اولا: بعد الصورة فهي تلعب دورا مهما في ثورة الاتصالات في تشكيل وعي الناس في كل مكان ويمكن لواحدة منها او مشهد فيديو متحرك ان يترك اثرا لا يمكن لما هو دونه ان يفعل ذلك فخروج عشرات ومئات الاف الفلسطينيين حاملين اعلام فلسطين على مسافة مئات الأمتار التي هجر منها آباؤهم واجدادهم يبعث برسالة مهمة الى العالم بحقيقة ملايين الفلسطينيين اللاجئين الذين تمر 70 عاما على نكبتهم فالسنوات الطوال لم تنسهم قراهم وبلداتهم كما تؤكد ان محاولات تل ابيب بالتعاون مع واشنطن الغاء حق العودة لا يمكن ان تمر او يكتب لها النجاح واللاجئون بخروجهم الكبير يظهرون للعالم حقيقة الصراع ويضعون مشكلتهم على مائدة العالم مطالبين بانجاز حقهم في العودة.
ثانيا: البعد الزماني والمكاني لمسيرة العودة الكبرى وهو ليس محدودا فهي لا تنتهي في نفس اليوم بل تمتد الى اسابيع وشهور قادمة وتصل في إحدى ذراها الى الذكرى السبعين لنكبة فلسطين في الخامس عشر من مايو القادم وتمتد بعده ايضا فحالة الاعتصام ستستمر وتتواصل ولن يكون اقتحام للجدار الفاصل الا بقرار من الهيئة الوطنية العليا للمسيرة التي ستختار الوقت المناسب لذلك والوصول الى اراضيهم التي هجروا منها قبل سبعين عاما كما ان المكان لن يكون مقصورا على غزة فهي تمتد الى حدود شمال وشرق فلسطين حيث شتات اللاجئين في سوريا ولبنان والاردن كما الحراك يشمل الضفة المحتلة وفلسطينيي ال 48 والمسيرة الكبرى ببعدها الزماني والمكاني غير المحدود تعني استنزاف الاحتلال وقواته وإبقاءه على حالة استنفار غير متوقفة وايقاظ وعي الاسرائيليين بحقيقة الصراع التي يراد تغييبها من قبل الاعلام والمسئولين الاسرائيليين.
ثالثا: البعد السياسي فالمسيرة الكبرى تحمل رسالة واضحة الى كل الاطراف التي تحاول الالتفاف على قضية اللاجئين وتصفيتها عبر مشاريع التوطين ولم الشمل وغيرها وهي رسالة واضحة لادارة ترامب وحكومة نتنياهو فشطب القدس واللاجئين لا يمكن ان يمر باي حال ما دام الفلسطينيون يرفعون علم فلسطين ويافطة انا راجع الى المجدل والسدود ويافا وهربيا وسمسم... وفي اليوم الذي تنقل فيه سفارة الاحتلال الى القدس المحتلة وفي ظل قرار ترامب باستهداف قضية اللاجئين عبر الغاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الاونروا) فان مسيرة العودة تعني ان حق العودة لا يمكن اسقاطه وسيعود اللاجئون الى قراهم وبلداتهم التي هجروا منها.
رابعا: البعد الامني وهو يتعلق بدولة الاحتلال التي تنظر الى المسيرة من زاويتها الخاصة وافشالها من خلال الاجراءات التي بدأت باتخاذها عبر نشر مزيد من كتائب جيشها واقامة السواتر الرملية .... انتظارا لاقتحام الحدود وتبقى المعضلة قائمة فاي استخدام للقوة يعني تصعيدا من قبل دولة الاحتلال ورغم ان الجمعة القادمة لن تشهد عبورا للجدار الفاصل فإن سبل التصدي لمئات الاف اللاجئين لا يمكن ان يوقفهم سوى عبر القتل الجماعي لهم وامام النقل المباشر لمسار المسيرة فان دولة الاحتلال ستكون مكشوفة امام الجميع وستتحمل المسئولية عن خطوات عنف ضد مسيرة سلمية وفي كل الاحوال فانها بدأت تأتي بنتائجها قبل ان تخرج لحيز الوجود ولن تنجح كل العوائق التي تضعها دولة الاحتلال في توجه الاف اللاجئين الى قراهم التي توجد على بعد مئات الامتار ونجاح ثلاثة شبان امس الاول في اختراق الحدود والسير لمسافة 20 كيلو متراً وقبل ذلك اختراق اربعة شبان واحراقهم لحفار اسرائيلي ومن ثم العودة يعطي اشارة واضحة لامكانية الاقتحام وهو ما سبب صدعاً في الإحساس الأمني في المستوطنات القريبة من غزة، وقدوم وزير الحرب ليبرمان برفقة رئيس اركانه ايزنكوت الى حدود غزة يؤكد على ذلك، وعدا عن ذلك فان الباب مفتوح لتجدد انتفاضة القدس في الضفة المحتلة في ظل محاولات اغلاق المسجد الاقصى غدا وأمس به وعمليات الاستيطان الواسعة والتنكيل التي يقوم بها يوميا في الشوارع ومحاور الطرق .
مسيرة العودة الكبرى تضع النقاط فوق الحروف امام الجميع وتؤكد بعد سبعين عاما من النكبة والتهجير والاستيطان والقتل ومئات الاف الاسرى والشهداء والجرحى ان فلسطين لا تموت فشعبها يعلن ان حقوقه الثابتة لا تنتهي ولن تسقط رغم عقود النكبة السبعة واذا اعتقد البعض انه يمكن تدجين الشعب الفلسطيني والغاء حقوقه بخطط سياسية سرية او معلنة من قبيل "صفقة القرن" او غيرها فهو واهم، واذا اعتقد البعض ان اسرائيل قوية لا تتوفر فرص تحقيق الانتصار عليها فانه يغفل معادلة العدل امام الظلم وكونها اوهن من بيت العنكبوت امام ارادة ملايين الفلسطينيين فهم يهزمونها ديمغرافيا بعد 7 عقود من النكبة وقادرون على العودة والبقاء في الاماكن التي طردوا وهجروا منها.


التعليقات : 0