جانب من فعاليات إحياء يوم الأرض بغزة
غزة/ دعاء الحطاب
كلما كبر الفلسطيني زاد تمسكه بأرضه وتضاعف حنينه للعودة إليها، فبعد عقود طويلة من التهجير والمعاناة، رافق الكبار الصغار في مسيرة عودة جديدة، أعلن مطلقوها أنها بداية تحقيق الحلم نحو الرجوع للوطن المسلوب. ومع قرب انطلاق مسيرات العودة الكبرى حرص كبار السن على المشاركة فيها أكثر من الشباب؛ فجهزت النساء اثوابها المزخرفة بخيوط الحرير الفلسطينية، بينما أمسك الرجال المسنون بمفاتيح العودة تمسكاً بحق العودة.
وتمثلُ مسيرة "العودة الكبرى" المقرر انطلاقها يوم غدٍ الجمعة باتجاه الحدود الفاصلة بين الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948و قطاع غزة، رداً شعبياً فلسطينياً على صفقة القرن، وقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعلان مدينة القدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي، وذلك كخطوة عملية لمواجهة مسلسل تصفية القضية الفلسطينية الذي يتسارع في ظل تواطؤ دولي.
بشرة خير
ولم تكن الثمانينية أم حامد بكرون بعيدة عن تلك الاستعدادات، فلم يمنعها كبر سنها ومرضها من الاصرار على المشاركة في المسيرة، اذ جهزت ثوبها وكوفيتها، وامتشقت عكازها الخشبي، مؤكدة على مشاركتها في المسيرة والاقامة في المخيم، لتحقق حلمها بالعودة لقريتها الفلسطينية " بئر السبع" التي مازالت راسخةٍ في قلبها وعقلها حتى مع مرور سبعين عاماً على التهجير.
وتقول بكرون لـ"الاستقلال":" الحياة في بئر السبع كانت بسيطة ولها طعم مختلف والخير فيها كتير، أهلها طيبين معروفين بالكرم يحبون بعضهم، يتشاركون في كل كبيرة وصغير يخافون على بعض، بيوتها صغيرة من القش والطين لكن لا نبدلها بقصور الدنيا".
وتتابع بحرقة: " اللي تهجر من أرضه بالغصب وذاق العذاب بكل أشكاله، واللي شاف أرضه قبال عينه والعدو يدمر فيها ويسرق خيرها وهو نفسه يلمس ترابها، كيف بدو ينساها؟ كيف ما يتمني أنه يرجع الها؟"، مستدركة: "تركنا كل ما نملك بالقرية المال والذهب والمواشي والملابس ما أخدنا معنا إلا مفتاح الدار، ظانين أن نرجع بعد أسبوع لكن لليوم ما رجعنا ونفسنا نرجع لها".
وأضافت:" فرحنا كتير لما أعلنوا عن مسيرة العودة لأنها ممكن تكون بشرة خير ونرجع على بلادنا، كان المفروض من سنوات طويلة عملوا هيك مسيرة ونصبوا الخيام على الحدود لحتى ما نسمح لليهود يتوغلوا في بلادنا ويحرقوا قلوبنا".
وأكدت بكرون، أنها نصبت وعائلتها خيمة على الحدود الشرقية لحي الشجاعية وانها ستشارك بمسيرة العودة حتى وإن اضطرت للذهاب إلى الحدود بواسطة كرسي متحرك، قائلة: " بدي أشارك بالمسيرة حتى لو اخذوني على كرسي متحرك، لأنه هادي أرضنا لا نتنازل عنها و لا نقبل ببديل الها، سنعود اليها بالقوة كما هجرونا منها بالقوة".
طريق العودة
" خيمةٌ بيضاء تشبه أملاك المُرحلين يعلوها علم فلسطين على ابتعاد 700 متر من الأراضي الفلسطينية المحتلة، تزينها لافتاتٌ كُتب عليها شعارات العودة، ونيران مشتعلة أمام بابها لقضاء حوائج التدفئة وطهي الطعام"، هكذا يبدو مشهد خيمة العودة التي أقامها الحاج محمود بارود( 60عاماً) منذ عدة أيام للمشاركة في مسيرة العودة الكبرى.
ويرى بارود، أن مسيرة العودة الكبرى طريق جديد يسلكه الشعب الفلسطيني من أجل استرداد أراضيه المسلوبة، وتعد من أكبر ملاحم المقاومة الشعبية المطالبة بالحرية والعودة الى الديار وانهاء الاحتلال الجاثم فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقال بارود لـ"الاستقلال": " نحن كفلسطينيين بحاجة ماسة في هذا الوقت إلى مثل هذه المسيرات المطالبة بالعودة وهذا النوع من المقاومة الشعبية أكثر من أي وقت مضى، نظراً للظروف السيئة التي نعيشها في ظلّ الانهيار الاقتصادي والمناكفات السياسية، ومحاولة أمريكا وإسرائيل استغلال هذا الوضع من أجل تمرير صفقة القرن التي تُسقط حق اللاجئين في العودة وتوطينهم في حدود دولة جديدة، فهذا كله يتطلب من الشعب الفلسطيني، عمل خطوة قوية لإبطال تلك المخططات".
وعن اصرار بارود على المشاركة في المسيرة برفقة عائلته كباراً وصغاراً، قال: " سنشارك بالمسيرة من أجل إيصال رسالة لقادة الاحتلال الذين راهنوا يوماً على أن الكبار يموتون والصغار ينسون، أننا مازلنا متمسكين بأرضنا وصغارنا اليوم يكبرون ويتمسكون أكثر بالأرض وبتاريخ أجدادهم، وسيقفون لكم بالمرصاد حتى يستردوا كل شبر من بلادهم".
خيام العودة
في حين، بدا الحاج أبو على سالم (72 عاما) مفعماً بالحيوية والأمل، حين أقام خيمته مع عشرات المواطنين الذين أرادوا تسطير تاريخ مسيرة العودة، خاصةً بهذه المرحلة المفصلية والتي اشتدت فيها وطأة المخططات الاسرائيلية لتهويد القدس وسلب الحقوق الفلسطينية.
واعتبر سالم خلال حديثة لـ"الاستقلال"، أن مسيرات العودة خطوة واثقة بطريق العودة وسد منيع أمام صفقة القرن المنوي تنفيذها، حيث سيعلن من خلالها اللاجئون رفضهم لأي وطن بديل، كما يرى بها أملاً لاختراق الحصار المفروض على غزة كونهم سيوصلون رسالة إلى الاحتلال والعالم أجمع، أن جزءاً مهماً من مشاكل غزة الاقتصادية مرهون بعودة اللاجئين إلى بلادهم وممتلكاتهم وهو ما سيضع المُحاصِرين تحت ضغط، من أجل التخفيف عن أهالي القطاع أو احتمال الانفجار البشري المرتقب من الناس المعتصمة على حدود بلادها.
وقال :" الاحتلال يحاول أن يبث الخوف في قلوبنا من خلال تهديداته المستمرة وقواته المنتشرة على الحدود الفاصلة كي يردعنا عن المشاركة في المسيرة، لكننا شعب قوي وصامد لا تٌرهبنا تهديداته وسنبقى مستمرين في التخييم حتي ننال حقوقنا".
وأضاف: " قبل 70 عاماً نصب أجدادنا خيام التهجير والتشريد، فليس بعيداً أن تكون الخيام التي نصبناها اليوم خيام العودة".


التعليقات : 0