غزة/ محمود عمر
كشف الزحف الشعبي الهادر من كافة فئات المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة إلى حدود قطاع غزة الشمالية والشرقية، تلبيةً لدعوات المشاركة بمسيرات العودة الكبرى في ذكرى يوم الأرض الفلسطيني، عن كذب وزيف التقارير الإسرائيلية التي تحدثت في أكثر من مناسبة سابقة عن أن انشغال الفلسطينيين في أزماتهم الحياتية أنساهم قضاياهم الوطنية التي سفكوا دماءهم لأجلها على مر العقود الماضية.
واستشهد 15 مواطناً بنيران الاحتلال الإسرائيلي، الجمعة الماضية، فيما يزال الاحتلال يحتجز جثمان شهيدين خلال مشاركتهما في مسيرات العودة الكبرى على حدود غزة، المطالبة بالعودة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، في مشهد أعاد إلى الأذهان يوميات الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987.
وشهدت هذه المسيرات مشاركة عشرات الآلاف من المواطنين من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، الذين ضربوا خيمهم على حدود غزة، وأحيوا مظاهر مختلفة لتراثهم الفلسطيني الذي تناقلوه جيلا بعد جيل، لتذكير العالم بحقهم غير القابل للنسيان.
نبض الشارع
يقول المواطن أبو عمار قديح (52 عاماً) الذي شارك في مسيرات العودة على حدود شرق غزة: «إن حجم المشاركة الواسعة في هذه المسيرات، أثبت للعالم أجمع أن الفلسطينيين لم يغرقوا بمشاكلهم الحياتية، وأن القضايا الوطنية لطالما كانت سبيلهم نحو الوحدة الفلسطينية».
وأضاف: "في الوقت الذي يعيش فيه الفلسطينيون بغزة أزمات حياتية مثل أزمة الكهرباء وإغلاق معبر رفح، وتدهوراً غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية مثل ارتفاع مستويات البطالة والفقر، إلا أن ذلك لم ينسهم قضاياهم الوطنية التي خرجوا لنصرتها من كل حدب وصوب".
وأوضح قديح أن المشهد الشعبي هناك كان مثالياً يعبر عن نبض المجتمع الفلسطيني الذي لم ينس القدس أو العودة أو الأسرى في يوم من الأيام، وتابع: "لم تكن هناك أعلام فصائلية، ولم يهتف أحد لفصيل دون الآخر، كان الجميع يحملون علم فلسطين وحناجرهم تصدح (ع القدس راجعين شهداء بالملايين)".
وبيّن أن الفلسطينيين الجمعة الماضية رسموا المشهد الذي يجب أن يبدو عليه باستمرار، وليس الاقتتال الداخلي والانقسام لمصالح حزبية ضيقة، وأكمل: "لطالما جمعتنا القضايا الوطنية، وجعلتنا موحدي الكلمة والموقف والفعل".
شعب يحفظ الأمانة
ويرى المحلل السياسي طلال عوكل، أنه وبعد سبعة عقود من النكبة الفلسطينية، لم ينس الفلسطينيون أياً من قضاياهم الوطنية رغم مرورهم بأزمات حياتية عاصفة في محاولة احتلالية لإشغالهم بتوفير لقمة عيشهم عن هذه القضايا التاريخية .
وقال عوكل لـ"الاستقلال": "هذا الشعب الفلسطيني يثبت في كل مرة أنه جدير بحمل الأمانة الوطنية، ويثبت أنه الأكثر صموداً وصبراً، وأن كافة الحيل الإسرائيلية بحرف مسار اهتماماته لم تنطل عليه، فالمشهد الذي جرى شكل خيبة أمل كبيرة في أوساط الاحتلال الإسرائيلي".
وأوضح أن محاولات الاحتلال إشغال الفلسطينيين بأزمات حياتية فشلت، إذ شارك الفلسطينيون من جميع فئاتهم في دليل واضح على أن هذه الأزمات لم تعتل سلم أولويات واهتمامات المواطنين والتي تحتلها قضايا وطنية كبرى مثل القدس والأسرى والعودة.
وشدد عوكل على أن مسيرات العودة أثبتت أيضاً أن محاولات الاحتلال لتركيع وإذلال هذا الشعب لم تنجح، مشيراً إلى أن الفلسطينيين توحدوا أمام جنود الاحتلال على حدود غزة، فكان مشهداً فلسطينياً بامتياز.
وتوقع المحلل السياسي أن يلتقط العالم وكل من يتآمر على غزة هذه الرسالة، وأن يصبح على دراية بأن الطعام والشراب والمسكن والكهرباء لا يمكن أن تكون بديلةً عن القدس والأسرى والعودة واللاجئين في سلم أولويات الفلسطينيين.
مشاهد مثالية
من جهته، يرى المحلل السياسي وليد المدلل، أن مسيرة يوم الأرض شكلت محطة تاريخية في نضال الشعب الفلسطيني، إذ حملت عدة مشاهد مثالية أهمها مشهد الوحدة الفلسطينية، ومشهد الزحف الشعبي لاستعادة حلم وطني وهو العودة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.
وقال المدلل لـ"الاستقلال":" إن التوجه إلى خيار المقاومة الشعبية في مرحلة تواصل المقاومة المسلحة الاستعداد والتجهيز، يعبر عن شكل مثالي للنضال الفلسطيني الذي يمارس كافة أشكال المقاومة، ويؤكد على أن الفلسطينيين لا يمكن أن يمنحوا أي قضايا أهمية سوى قضاياهم وحقوقهم الوطنية التي سلبها الاحتلال".
وأضاف:" انتهجت سلطات الاحتلال مع الفلسطينيين نهجين متناقضين يهدفان لإشغالهم عن قضاياهم الوطنية، فتارة تمنحهم تسهيلات حياتية كبيرة وزيادة فرص العمل في الداخل المحتل، من أجل نسيان المقاومة وهذا السيناريو كان موضوعاً لإنهاء حالة المقاومة في مدينة جنين خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية ".
أما النهج الثاني – بحسب المدلل- فكان بالتضييق والقمع والحصار ونقص الموارد وانعدام فرص العمل والعيش، وكان هذا النهج يهدف أيضاً لتحقيق ذات الهدف وهو نسيان الحقوق الوطنية والانشغال بتوفير لقمة العيش كما هو الحال في مدينة غزة.
واختتم حديثه بالقول: "رغم أن النهجين متناقضان وطبقا على مدينتين مختلفتين وهما غزة وجنين، إلا أن النهجين فشلا تماماً، ودامت جنين وغزة حاضنتين للمقاومة الفلسطينية".


التعليقات : 0