الاستقلال/ سندس أبو كرش
لم تكن مشاركة المرأة الفلسطينية في مسيرة العودة تقل أهمية عن مشاركة الرجل في الميدان، فحاملة الرسالة ومربية الأجيال لم يقتصر دورها في المشاركة في الخيام وإنما تقدمت الصفوف الأولى رغم اختلاف غاياتها، فمنهن من تقدمت لتزرع الأعلام الفلسطينية على السياج الفاصل ومنهن من تقدمت لتنقذ الشباب من أنياب الاحتلال، في حين تقدمت أخريات لتوثق جرائم الاحتلال التي مارسها بحق الشعب الفلسطيني في مسيرته السلمية مسيرة العودة الكبرى بالصورة والقلم.
وتجلى دور المرأة واضحاً في مسيرة العودة من خلال حضورها الكبير في كافة المناطق الحدودية الشرقية لقطاع غزة، ومشاركتها في التحضير والتجهيز لانطلاق المسيرة على الحدود، من أجل إيصال صوتها للعالم بأن المرأة الفلسطينية دائما بجانب الرجل في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، والتأكيد على أن العودة حق لا عودة عنه والاحتلال حتماً إلى الزوال.
لست رقما
أمل عمار فتاة لم تتجاوز العشرين من عمرها أرادت أن تكون مشاركتها في مسيرة العودة الكبرى لها طابع خاص، فلم تقبل بأن تكون رقما بين تلك الحشود، حيث اتخذت من أدواتها البسيطة منبرا يفضح همجية الاحتلال وغطرسته، إضافة لإيصال رسالة مفادها أن الشعب الفلسطيني مهما طال عليه الزمن لن ينسى حقه في العودة إلى أرضه.
فبثوبها المطرز وكوفيتها الفلسطينية تتنقل عمار بين المتظاهرين باحثةً عن مشاهد تجسد صمود الفلسطيني بأرضه، وتارة أخرى تبحث عن مشاهد تحاكي همجية جنود الاحتلال حينما يصوبون أسلحتهم تجاه مواطنين عزل جاؤوا من أجل التأكيد على حقهم ببلادهم التي هجروا منها غصبا عام 1948، لتوثقها بكاميرتها الصغيرة لعلها تنقل جزء من معاناة اللاجئين في فلسطين و خارجها.
وتقول عمار خلال حديثها لـ "الاستقلال ": "على بعد 120 مترا من الحدود الفاصلة بين قطاع غزة وأراضينا المحتلة وقفت بكاميرا جوالي أرصد ما يقدم عليه جنود الاحتلال من قنص الشباب الثائرين من خلف السواتر الرملية التي كانوا يختبئون خلفها، كنت أشاهد الشباب العزل وكل منهم يسلم العلم الفلسطيني قبل أن يسقط أرضا بعدما أصيب بالرصاص".
وتابعت: " لم تثني تلك الرصاصات، الشباب عن هدفهم الذي جاؤوا من أجله واستمروا بالتقدم يحملون بأيديهم العلم الفلسطيني، إلا أننا فوجئنا بطائرات صغيرة تحلق فوق رؤوسنا وتقوم برش الغاز المسيل للدموع مما حول المكان إلى اللون الرمادي؛ وأصبت حينها بالاختناق ولم أعد أرى شيء من حولي فالدخان الذي يملئ المكان وكاد أن يقضي علينا لم يكون كأي دخان كان مليئا بالمواد السامة والحارقة".
وأضافت عمار: " عقب إسعافنا نلت قسطا من الراحة قرابة الساعة لأعود من جديد إلى تغطية العدوان الاسرائيلي الممارس بحقنا ولأوصل رسالة إلى العالم الذي يحاصرنا وإلى من يريد أن يمرر صفقة القرن ويلغي حق العودة وإلى الاحتلال الذي اغتصب أرضنا وشرد أجدادنا منها بأنه إذا مات الكبار فنحن الصغار لن ننسى حقنا المسلوب وسنبقى ندافع بكل قوة وصلابة حتى تعود فلسطين حرة أبية".
ملاك الرحمة
أما عن صاحبة الرداء الأبيض ملاك الرحمة والتي كانت تتنقل بين الجرحى والمصابين تداوي جراحهم وتمدهم بالقوة التي حاول الاحتلال سلبهم إياها، عملت المسعفة العشرينية رزان النجار على تقديم العلاج اللازم للجرحى والمصابين إثر استنشاقهم الغاز السام إلى أن يتم نقلهم عبر سيارات الاسعاف لمستشفيات القطاع، لتعود من جديد باحثة عن مصاب آخر.
النجار والتي يعد عملها في الميدان تجربتها الأولى، تمكنت من القضاء على الخوف الذي كاد يسيطر على قلبها عندما خرجت الأمور عن السيطرة وتحول الميدان إلى ساحة مليئة بالشهداء والجرحى، لتنقل بذلك رسالتها بأن الفتاة الفلسطينية يمكن أيضا أن تقاوم وتثبت أمام المحتل بعلمها.
تقول النجار لـ "الاستقلال": "تنقلت بين ما يزيد عن 70 مصاب، إصاباتهم بين الرأس والقدم، ومع أولى الاصابات التي تعاملت معها استجمعت قوتي وبدأت بتقديم العلاج اللازم لها، ووقتها شعرت بحجم الفخر حينما تمكنت من الحفاظ على حياة المصاب، الأمر الذي زادني اصرارا على تقديم المساعدة لمزيد من المرضى والمصابين".
وتضيف: " أفتخر كوني أعمل في مجال الاسعاف ويزيدني فخرا حينما أقوم بإنقاذ حياة رجال فلسطين الذين يقدمون حياتهم فداءً للوطن، وسوف أبقى متمسكة بحق العودة دون التفريط بأي شبر من أرض فلسطين".
ورغم ارتداءها الثوب الأبيض وتقديمها الواجب الانساني لم تسلم "النجار" من حقد الاحتلال وممارساته اللا إنسانية، فقد طالها ذلك الغاز السام ليضرب بعرض الحائط كافة الاتفاقات والنصوص والقوانين الدولية الداعية إلى حماية المسعفين ورجال الخدمات الطبية الذين يقومون بالواجب الإنساني المناط بهم.
شعار الوحدة
أما المواطنة أم محمد الناعوق، من جباليا البلد أم لثلاثة أسرى محررين وزوجة شهيد أثرت على المشاركة والتقدم إلى الحدود جنبا إلى جنب مع أبناء الشعب الفلسطيني المهجر عنوةً من أرضه، حاملة شعار الوحدة في الدفاع عن حق العودة كما توحد المشاركون برفع العلم الفلسطيني، فلا فرق بين مواطن ولاجئ، ففلسطين للجميع وستبقى متمسكة بحق العودة حتى ينعم الفلسطينيين بحرية أرضهم ووطنهم.
وقالت الناعوق لـ "الاستقلال": "قدمت زوجي شهيد وأبنائي الثلاثة أسرى من قبل فداء للوطن فكيف لا أساند اللاجئين اليوم في الحصول على حقهم الذي سلب منهم منذ 70 عاماً، مؤكدة أنها قدمت زوجها وبيتها الذي هدم من قبل وزهرة شباب أبنائها فداء للوطن وستقدم المزيد من التضحيات حتى يتحر آخر شبر من فلسطين.
وأوضحت أنه مهما تآمر العالم وعقدوا الصفقات لإلغاء حق العودة فسيبقى الشعب الفلسطيني متجذراً في أرضه لن يقبل التنازل عنها، قائلة "مشاركتنا في المسيرة جاءت لتعزيز ثباتنا في أرضنا ووحدة قضيتنا وأننا لن ننسى القدس والأقصى وحق العودة".
وكان الآلاف من المواطنين في قطاع غزة، خرجوا الجمعة الماضي في مسيرة العودة الكبرى، والتي ضمت أطفال وشباب ونساء وعجائز، تحت شعار لا تناول ولا تفريط ولا اعتراف بإسرائيل، إلا أن قوات الاحتلال تعمدت قتل المواطنين رغم سلميتهم فارتقى 18 شهيداً وأصيب 1450 جريحاً من بينهم نساء وأطفال وكبار في السن.
ويشار إلى أن الجيش الإسرائيلي قد أعلن كافة المناطق الحدودية مع قطاع غزة مناطق عسكرية مغلقة، وقالت صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية، إن الجيش نشر أعدادا كبيرة من قواته على طول الشريط الحدودي، لمنع المتظاهرين المشاركين في مسيرة العودة الكبرى، من الاقتراب من السلك الفاصل، تجنبا لوصولهم إلى داخل المواقع الإسرائيلية.


التعليقات : 0