الاستقلال / جيهان كوارع
فوق الأرض كانا يرسمان مع آلاف الجموع ملامح طريق العودة إلى تلك القرى والبلدات التي لا يعرفان من ملامحها سوى أسماء وحكايات انطبعت في مخيلتهما بصوت الأجداد، وبأجساد لا تملك إلا حلماً مشتركاً نما في قلوب كل اللاجئين، بأن يعودا لديارهما وان يكونا أول من ينفض عنها غبار ظلم الاحتلال، ولكن حلمهما بالعودة تلك وئد تحت وابل من الرصاص الإسرائيلي.
فمع أول قطرة دم نزفت من الشهيدين مصعب السلول وصديقه محمد الربايعة على أعتاب الجزء المحتل من وطنهما لتروي الأرض التي لطالما تمنيا العودة اليها، تركا خلفهما جزءاً آخر من الوطن وقف فيه ذووهما متمنين أن يعودا حيين لينعما بالدفء حين يلتحف صدراهما بصدر والديهما، أو حتى يعود جثماناهما لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهما والتي حرما منها بعد احتجازهما من قبل قوات الاحتلال، وما بين العودة للوطن وعودة الجثمانين حكايتان لشهيدين أزهرت روحهما في مسيرات العودة الكبرى.
وأطلقت قناصة الاحتلال الإسرائيلي، المتمركزة على الحدود الشرقية لقطاع غزة، النار بغزارة على الشهيدين مصعب السلول وصديقه محمد الربايعة، وكلاهما في الثانية والعشرين من العمر قرب السلك الفاصل على حدود قرية جحر الديك في المنطقة الوسطى خلال مشاركتهما السلمية في مسيرة العودة الكبرى.
واعترف الاحتلال باحتجازه لجثماني الشهيدين على لسان منسق أنشطته يوآف مردخاي الذي اعلن أن الجثمانين انضما إلى 24 جثماناً آخرى تحتجزهم سلطات الاحتلال منذ 2014، رابطاً اعادتهما بإفراج المقاومة عن جثث جنوده التي تحتجزهم في قطاع غزة.
وقال ما يسمى بوزير حرب الاحتلال افيغدور ليبرمان"إنه لن يتم إعادة جثماني الشهيدين السلول والربايعة، حتى يتم اعادة الجنديين هدار غولدن وارون شاؤول".
بداية الحكاية
بدأت الشمس تنسحب بخجل فقد أرهقتها صرخات المصابين وبكاء ذوي الشهداء، تاركة المساحة لظلام الليل الذي سقط على أطراف غزة يوم الجمعة الماضي بعد أن وجد قلوب الأمهات الثكلى قد امتلأت بالقهر وظلم المحتل، في الوقت الذي كانت فيه عقارب الساعة تمر ببطء أمام عيون والد الشهيد محمد الربايعة والذي ترقبها بخوف وقلق شديدين، متنظراً عودة ابنه الذي شارك في مسيرة العودة ولم يرجع، فقد كان دائما يجالسه في ذات التوقيت ليعدا معا جدول العمل ليوم الغد، ولكن الغد لم يأت والجدول طويت أوراقه لأن البصمات التي اعتاد أن يبدأ بها قد رحلت للأبد.
وبقلب مزقته آهات الحزن يقول والد الشهيد الربايعة: "طلع وقالي رايح على بئر السبع" ليسكت برهة في محاولة لحبس دموعه التي كاد أن يذرفها قبل أن يستكمل حديثه "خرج يوم الجمعة الصبح مع أهالي المنطقة الذين شاركوا في مسيرة العودة، وتأخر لبعد المغرب وما رجع، وسألنا عنه الجميع ولكن لم يعرف أحد عنه شيئاً"
وتابع " فقدت الأمل في العثور عليه فأبلغت الصليب الأحمر أن ابني طلع على الحدود وما رجع، رجعولي إياه، وفي اليوم التالي تلقيت اتصال من الصليب الأحمر يخبرني بان ابني استشهد وأنه لن يعود فعنجهية الاحتلال تأبى أن تتوقف فقد قرر الاحتلال احتجاز جثمانه إلى أجل غير محدد".
هذا القرار وقع كالصاعقة على والد الشهيد ووالدته التي لم يتحمل ضعف قلبها مدى الظلم الذي وصل له المحتل فأصيبت بأزمة عصبية نقلت على اثرها أكثر من مرة إلى المستشفى لتلقي العلاج.
ويضيف والد الشهيد، " محمد كان يعمل معي في الزراعة وكل شغلي معتمد عليه في جني المزروعات ونقلها وبيعها ومتابعة الارض، والان انا فقدت سندي واليد التي توفر لي الراحة، ومن الآن سأقف على رجل واحدة في عملي"، مضيفاً " كان دائما يحب الأرض ويشرف على زراعتها ورعايتها وكان يقول " بكرة حنخلي السبع خضرة مثل هيك يابا".
لكن الأرض التي أحبها محمد لم تحظ بمواراة جسده في ترابها، ولم تتنسم مسك شهادته ، فكل الذي تعرفه أنها ستكون ذكرى عطرة في وجدان عائلة الشهيد يأتون إليها ليمروا من فوق آثار قدميه التي ما زالت مرسومة بين الأشجار .
نصف الأمنية
النسخة المكررة من مشهد رحيل الربايعة جسدتها عائلة الشهيد مصعب السلول، الذي وقف والده بثبات تهزه رياح الفقد بعد ما استنفد كل قواه في البحث عن اسم ابنه في سجلات مصابي وشهداء مسيرة العودة."
اسمه مصعب وعمره 22 عاماً ، خرج مع المسيرة السلمية لا يحمل معه شيئاً ولم يعد " هذا كل ما قاله والد الشهيد السلول للصليب الأحمر عندما طلب منه أن يعرَف عن ابنه المفقود بعد أن رحلت كل الاوقات المتوقع مجيئه فيها.
مرت الليلة التي سبقت جواب الصليب كأنها خمسون عاماً، ليمسح النهار وجوهاً قد أذبل ملامحها الانتظار، ثم جاء صوت رنين الهاتف قاطعاً كل الأمنيات بأن يكون مصعب بخير، معلناً أن الغدر قد سلب زهرة من شبان الوطن واستولى عليها بحجة واهية لا أساس لها من المنطق والصحة .
وقال السلول "وصيته قبل ما يخرج أنه يضل بين الناس وما يبعد عنهم حتى ما يصيبوه اليهود ، بس نصيبه انه يموت شهيد، ولأن الأرض كلها لنا ولن يهزم المحتل ارادتنا بالعودة، فلا بأس ان دفن الشهيد في غزة أو في الأراضي المحتلة فهذه بلادنا وأرضنا المهم أن الروح قد صعدت إلى بارئها وقدمت نفسها في سبيل الله والوطن".
وأكد السلول، أن ابنه الشهيد ذهب كبقية المشاركين في المسيرة السلمية وأن الاحتلال يحاول تبرير قتله بذرائع واهية، قائلا: "الاحتلال يكذب ويحتجز جثمان ابني بتهمة أنه كان يحمل سلاحاً وينوي تنفيذ عملية ضده، لكن هذا افتراء فالمسيرة كانت سلمية، وابني لا علاقة له بالسلاح أو بأي تنظيم مسلح ".
وللمرارة طعم أكثر لذعاً، فالأمنية التي كان يحلم بها والد الشهيد بأن يرى توأمه الصغير وأخر العنقود واحداً مهندساً والأخر طبيباً قد ذهب نصفها، فالشهيد مصعب هو المهندس الذي تخرج حديثاً من جامعات غزة، وشقيقه التوأم قد سافر لدراسة الطب في الخارج.
وزادت قسوة الغربة ضعفين على شقيق الشهيد مصعب الذي لازمه منذ ان نفخ الله فيهما الروح في رحم واحد ، وسارا في الحياة معاً متشابهين في كل شئ فلم يفترقا عن بعضهما من قبل، لكن دراسة الطب أطالت المسافة بينهما، وجاء الموت مؤخراً ليضم مصعب ويقطع المسافة بلا رجعة.
ورغم الصبر الذي يبدو فيه والد الشهيد إلا أن حرقة الحرمان من نظرة الوداع وتقبيل جبين نجله الشهيد قبل أن ينام في حضن الأرض ما زالت مشتعلة في صدره، مطالباً الجهات المسؤولة والمؤسسات المعنية وخاصة مؤسسات حقوق الانسان العربية والعالمية والمسئولين بأن لا يدخروا جهداً في سبيل استعادة جثامين الشهداء المحتجزة .


التعليقات : 0