الاستقلال/ محمود عمر
تدور شكوك حول جدية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في استئناف مفاوضات التسوية بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الاسرائيلي بالنظر إلى المصالح التي يسعى إلى تحقيقها من خلال تكوين تحالف عربي جديد في الشرق الأوسط، وأهمها مواجهة إيران من جهة، والتطبيع مع الاحتلال من جهة أخرى، ولكن ثمة وجهة نظر أخرى ترى أن ترامب سيسعى نحو تسوية اقتصادية بين السلطة و»إسرائيل» كمدخل لإحداث تقدم في سياق التسوية السياسية.
ووصل ترامب أول من أمس، إلى الرياض في مستهل زيارته للسعودية في أول محطة له في جولته للشرق الأوسط حيث من المقرر أن يجتمع مع رؤساء أكثر من 50 دولة عربية وإسلامية في ثلاث قمم. وكشفت مصادر ديبلوماسية غربية أن ترامب سيُعلن قريبًا مبادرة سياسية تُعيد إطلاق المفاوضات المباشرة الفلسطينية- الإسرائيلية لفترة زمنية محدودة تراوح بين 12- 16 شهرًا على أبعد تقدير، دون وقف الاستيطان.
وقالت المصادر لصحيفة "الحياة" اللندنية إن رئيس السلطة محمود عباس أبلغ ترامب أثناء لقائهما في البيت الأبيض، موافقته على المبادرة التي تقتضي إطلاق المفاوضات على أسس جديدة، ولفترة محدودة من الزمن، يجري خلالها التفاوض على قضايا الحل النهائي بتدخل أمريكي مباشر.
وأضافت: "مبادرة ترامب تقوم على إلغاء المدرسة التفاوضية القديمة القائمة على جمع وفدين كبيرين إلى طاولة مفاوضات واحدة، وتأسيس أسلوب جديد عبر التدخل الأميركي المباشر بين صناع القرار".
ويصل ترامب إلى الكيان الإسرائيلي اليوم الاثنين، ومن المقرر أن يزور مدينة بيت لحم يوم غد الثلاثاء حيث سيلتقي عباس ويزور كنيسة المهد.
"الجهاد" تحذر
وحذرت حركة "الجهاد الإسلامي"، السلطة الفلسطينية من العودة لمفاوضات التسوية مع الدولة العبرية، وذلك استجابة للمشروع الأمريكي الجديد في المنطقة .
وقال نافذ عزام، عضو المكتب السياسي للحركة في تصريح صحفي: "جرب الفلسطينيون المفاوضات على مدى سنوات والنتيجة كانت صفراً، وفي ظل التوازنات القائمة اليوم وطبيعة الحكومة الموجدة في إسرائيل وأيضا إدارة أمريكية متطرفة منحازة لإسرائيل لا يمكن أن تكون هناك نتائج ولا يمكن أن يكون هناك عدل".
وأضاف أن "المفاوضات ستكون مضيعة للوقت والجهد وبلا فائدة وستعني تكريسا للسياسة الإسرائيلية والأمريكية معا"، داعياً إلى ترتيب الوضع الفلسطيني الداخلي والانتباه إلى المعاناة التي يعيشها أبناء شعبنا والتي تتسع بسبب الاحتلال والانقسام.
واعتبر المشروع الذي يحمله ترامب للمنطقة "مشروعاً معادياً للشعوب العربية والإسلامية وتجميلا للسياسة الأمريكية القبيحة بالمنطقة".
وتساءل: "كيف للرئيس الأمريكي المنحاز تماما لإسرائيل، الذي تسبب أيضا بأضرار كبيرة للشعب الأمريكي في كثير من سياسات إدارته الجديدة، أن يحمل خيرا للعرب والمسلمين؟!".
وقال: "إذا لم يكن هناك مشروع منصف وعادل يولي بالدرجة الأولى وحدة الأمة، واحترام التنوع الثقافي والفكري، ويحمل برامج للتنمية ومعالجة الفقر والبطالة والأمراض؛ فهذا مشروع وهم".
ناتو عربي
المحلل السياسي أحمد عوض، اعتبر أن زيارة ترامب للمنطقة، ولقاءه رؤساء دول عربية وإسلامية،"تهدف لتشكيل ناتو عربي لتمرير السياسات الأمريكية في المنطقة".
وقال عوض لـ"الاستقلال": "من المعروف تماماً أن الصراعات التي نشأت في المنطقة العربية منذ عام 2002 وحتى يومنا هذا، عززت من المصالح والنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، لذلك يحاول ترامب أن يشكل ناتو عربياً من أجل الحفاظ على مصالحه".
وأوضح أن ترامب يزور الشرق الأوسط اليوم واضعاً نصب عينيه تحقيق مصالحه الأمريكية وتحقيق أقصى درجة ممكنة من الأمن للكيان الإسرائيلي، من خلال طرح الملف الأبرز في الساحة العربية وهو ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مشيراً إلى أن ترامب قد يستغل هذا الملف من أجل تحقيق أولوياته.
وشدد عوض على أن ترامب لا يمنح أهمية حقيقية لمسألة التسوية خلال هذه الزيارة، بقدر ما يمنح أهميةً لتحقيق مصالحه بتشكيل هذا التكوين أو الائتلاف العربي الهادف لمواجهة إيران بالدرجة الأولى وإنشاء علاقات ودية مع "إسرائيل".
وأضاف: "أكبر دليل على عدم اهتمام ترامب بتحقيق التسوية وإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هو طريقة تعاطيه مع مسألة زيارة الكيان الإسرائيلي والضفة الغربية، حيث اختار ترامب مدينة بيت لحم عنوانًا لزيارته وتجاهل مدينة رام الله التي تقع فيها المقاطعة وهذا مؤشر غير إيجابي ويوحي أنه ليس معنياً بالتسوية بشكل كبير".
لذلك فإن أحمد عوض، يستبعد تماماً أن يكون موضوع التسوية هو الملف الأبرز الذي يحمله ترامب على عاتقه خلال زيارته هذه إلى الشرق الأوسط ودول العالم الإسلامي.
تسوية اقتصادية
ولكن مدير المركز الدولي للاستشارات في مدينة الناصرة المحتلة، وديع أبو نصار، يحمل وجه نظر أخرى، حيث يرى أن زيارة ترامب للمنطقة تحمل رؤية جديدة تختلف عن رؤى من سبقه في تولي كرسي رئاسة حكم الولايات المتحدة الأمريكية.
وفسر أبو نصار حديثه لـ"الاستقلال" بالقول: "ترامب جاء مسلحاً بسلاح الاقتصاد، فهو سيمنح الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي هدايا اقتصادية كبيرة من أجل القبول باستئناف المفاوضات دون التمسك بالشروط السياسية التي يتمسك بها الطرفان مثل وقف الاستيطان –كما تشترط السلطة- والاعتراف بيهودية الدولة – كما تشترط إسرائيل".
وبيّن أن ترامب سيمنح السلطة جوانب اقتصادية كبيرة، من بينها تحسين العمولة التي تحصل عليها من أموال الجمارك والبالغة 3%، وزيادة فتح المعبر الحدودي مع الأرض ليصل إلى اعتباره معبراً مفتوحاً على مدار الساعة، وقد تطال هذه التسهيلات إجراء تغيرات في اتفاقية باريس الاقتصادية بما يشمل حرية أكبر للفلسطينيين في ممارسة النشاط الاقتصادي وخاصة في المناطق المصنفة (ج) التي تشكل ما نسبته 60% من مساحة الضفة الغربية.
ولفت أبو نصار النظر إلى أن الهدايا الاقتصادية التي سيقدمها ترامب لـ"إسرائيل" ستكون ذات بعد سياسي أيضاً، "فعلى سبيل المثال سيضخ ترامب المزيد من المال السياسي لإسرائيل، والذي سيساهم في تأمين أمنها على الحدود مع الدولة الفلسطينية المستقبلية، كما سيعزز من مخصصات الكونغرس الأمريكي الممنوحة للجيش".
ولكن مدير المركز الدولي للاستشارات، يرى أن كافة هذه التسهيلات والامتيازات والهدايا، لن تؤدي إلى حدوث خرق ملموس في المفاوضات والتسوية في إطار إنهاء الصراع، لكون نتنياهو يحمل أهدافاً استراتيجية أبعد كثيراً من مجرد تحقيق مكاسب اقتصادية سواء للأمن أو للجيش.
وقال: "مسار نتنياهو هو مسار اليمين المتطرف الحاكم في "إسرائيل"، القائم على العقائدية الدينية التي لا تعترف للمسلمين بأي حق في القدس والمسجد الأقصى والضفة الغربية، لذلك فمشروع نتنياهو هو استمرار نهب المزيد من الأراضي الفلسطينية وضمها إلى السيادة الإسرائيلية دون التطلع لحلول سياسية".


التعليقات : 0