جانب من تشييع الشهيد الصحفي ياسر مرتجى
غزة/ قاسم الأغا
على مدار سنوات الصراع الطويلة مع الاحتلال «الإسرائيلي»، لم تتوقف جرائم قوات الاحتلال بحق الصحفيين الفلسطينيين، في كل بقعة على ثرى فلسطين المحتلة؛ بغية إبعادهم عن مسرح الجريمة، وثنيهم عن مواصلة مسيرتهم وبث رسالتهم الإعلامية السامية .
الحدود الشرقية لقطاع غزة، والتي تشهد فعاليات «مسيرة العودة الكُبرى»، منذ ذكرى يوم الأرض 30 مارس المنصرم، شكلّت مسرحًا جديدًا لجرائم الاحتلال، ليس فقط تجاه المتظاهرين سلميًا على الحدود، إنما تجاه الشهود الأحياء على هذه الجرائم، وهم الصحفيون.
ومنذ الجمعة قبل الماضية، اسُتشهد صحفيّ فلسطيني، وأصيب نحو 30 آخرين، بالرصاص الحيّ وقنابل الغاز، التي تعمّد الاحتلال إطلاقها على الطواقم الصحفية والإعلامية الفلسطينية، خلال تغطيتهم المهنية لمسيرات العودة في محافظات قطاع غزة المختلفة.
وفجر السبت الماضي، استشهد المصور الصحفي ياسر مرتجى بعد إصابته من قبل قناصة الاحتلال بطلق ناري اخترق بشكل عرضي منطقة البطن، أثناء تغطيته للأحداث شرقي مدينة خانيونس، جنوب قطاع غزة، علمًا أنه كان يرتدي شارات تثبت أنه صحفي، وسترة واقية زرقاء اللون مكتوباً عليها "press"، إلى جانب ارتدائه خوذة رأس زرقاء اللون أيضًا.
جرائم منظمّة
رئيس التجمّع الإعلامي الفلسطيني الصحفي توفيق السيد سليم، استنكر بشدّة مواصلة قوات الاحتلال جرائمها "المنظّمة" بحق الصحفيين الفلسطينيين، خلال تغطيتهم لمسيرات العودة على حدود القطاع الشرقية، والتي أسفرت، الجمعة الماضية، عن استشهاد الزميل الصحفي ياسر مرتجى وإصابة آخرين بجراح بالرصاص الحي المتفجّر.
وأكّد السيّد سليم لـ"الاستقلال" أن "الاستهداف الواضح للصحفيين، بالرصاص الحيّ المتفجر والمحرّم دوليًا، يُعبر عن قرار "إسرائيلي" مُسبق للنيل منهم وإجبارهم على عدم مواصلة تغطية اعتداءات الاحتلال بحق أبناء شعبنا العزل الذين يمارسون حقهم المشروع في التظاهر السلميّ".
وطالب بضرورة تشكيل لجنة تحقيق دوليّة في جرائم الاحتلال المتصاعدة بحق شعبنا الأعزل، بمن فيهم الطواقم الإعلامية العاملة في الميدان، والموثّقة بالصوت والصورة.
وذكّر بأن اتفاقية "جنيف الرابعة" أكدت على أن ما ينطبق على المدنيين في النزاعات والحروب، من حيث الحماية والحصانة، ينطبق على الصحفيين، وأن استهداف الصحفيين يصنف ضمن جرائم الحرب.
ودعا الجهات المعنية كافّة لضرورة العمل على توفير مستلزمات الحماية للصحفيين من دروع وخوذ وكمامات، تمنع الاحتلال إدخالها إلى قطاع غزة منذ عدة سنوات؛ ما يجعل الصحفيين أكثر عرضة لخطر الإصابة، في ظل تعمّد استهداف الاحتلال لهم.
وأشاد رئيس التجمّع الإعلامي بالأداء البطولي للطواقم الإعلامية والصحفية الفلسطينية، التي تواكب الأحداث الميدانية لحظة بلحظة، وتواصل نقل الحقيقة التي أرعبت الاحتلال وفضحت صورته الإجرامية على مرأى ومسمع العالم أجمع.
استهداف ممنهج
أمّا مدير عام شبكة الأقصى الإعلامية الصحفي وسام عفيفة، أشار إلى أنه عند الحديث عن العدد المرتفع للصحفيين المستهدفين منذ بدء "مسيرات العودة" في قطاع غزة، يؤكّد بما لا يدع مجالا للشك استهداف الاحتلال الممنهج للطواقم الإعلامية، الذين يمثّلون شهودًا على الجرائم، وهو ما يرقى إلى مستوى جرائم الحرب.
وندّد عفيفة لـ"الاستقلال" بحالة الصمت من قبل المؤسسات الحقوقية والصحفية الدولية أمام هذه الجرائم، مبينًا أن استمرار هذا الصمت يمثّل قتلاً ثانيًا للصحفيين، بعد قتلهم في المرة الأولى برصاص الاحتلال.
وقال: "الأمر الآن بحاجة إلى وقفة جادّة؛ للجم حالة التغوّل الإسرائيلي ضد الصحفيين الفلسطينيين".
وأضاف: "في هذا الإطار هناك مسؤولية كبيرة على المستوى الرسمي، الممثل بالسلطة الفلسطينية، خصوصًا بعد انضمام فلسطين إلى اتفاقية روما منذ عام 2015".
وعبّر عن أسفه لعدم توجّه السلطة منذ ذلك العام لمحكمة الجنايات الدولية؛ لمحاسبة الاحتلال وقادته على جرائمهم المختلفة تجاه شعبنا، متسائلا: "إلام ستصمت السلطة، ومتى يمكن لها أن ترفع الفيتو بوجه الاحتلال من خلال تقديم شكاوى لمحكمة الجنايات ؟".
وتابع: "صمت السلطة الفلسطينية يشجّع الاحتلال، ويضع علامات استفهام، خصوصًا أمام ما يتعرض له الفلسطينيون من هجمة شرسة، في ظل فعاليات مسيرات العودة، التي تستحق أن تخرج السلطة عن صمتها وتستخدم هذه الورقة".
مبرّرات واهية
من جانبه، مدير تحرير صحيفة «فلسطين» مفيد أبو شمّالة، أكّد أن الاحتلال ومن خلال استهدافه للصحفيين والطواقم الإعلامية على الحدود الشرقية للقطاع يريد "التعتيم على جرائمه المتعمّدة تجاه أبناء شعبنا الفلسطيني".
ورأى أبو شمّالة في حديثه لـ"الاستقلال" أن كل المبررات الأمنية التي يسوقها الاحتلال لاستهداف المتظاهرين السلميّين، بما فيهم الصحفيين، عبر الزعم باقترابهم من "الخط الزائل"، هي مبررات واهية؛ "لأن هذا الخط لا يمثل حدودًا دولية، وعليه فإن الاقتراب منه لا يُعد جريمة"، كما قال.
وأضاف: "آن الأوان للمجتمع الدولي الصامت، ومؤسسات حقوق الإنسان، التي تّدعي الدفاع عن الحريات الإعلامية والحقوق الصحفية، المستندة للقوانين الدولية، أن يعملوا على تجريم الاحتلال"، داعيًا الطواقم الإعلامية الفلسطينية إلى المزيد من الاستبسال في الدفاع عن حقوق شعبنا بالكاميرا والصوت والقلم".
وبالعودة إلى تفاصيل استشهاد الزميل "مرتجى"، فقد أصيب في حوالي الساعة 1:45 بعد ظهر يوم الجمعة، بعيار ناري في البطن؛ أدى إلى تمزق بالشريان الرئيس للأمعاء، بينما كان يصور التظاهرات على بعد يتراوح بين 150-200 متر من الخط الفاصل إلى الشمال الشرقي من مخيم العودة في خزاعة، شرق خانيونس.
ونُقل عبر سيارة إسعاف إلى مستشفى ناصر في خانيونس، وتبين وجود نزيف حاد في البطن وقطع في أحد الشرايين، وأدخل للعمليات، وبقي يخضع للعلاج حتى إعلان استشهاده الساعة 1:20 فجر السبت.
الاحتلال يعترف
إلى ذلك، اعترف وزير حرب الاحتلال "أفيغدور ليبرمان" ضمنياً، بأن قواته مسؤوله عن قتل الصحفي ياسر مرتجى على حدود قطاع غزة.
ونقل موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية عن "ليبرمان" قوله: "لا أعرف الصحفي، ولكنه ليس مصوراً وكان يستخدم طائرة مسيرة فوق جنود الجيش على حدود غزة، وعليه أن يدرك أنه يشكل خطرًا على نفسه"، بحسب زعمه.
وتابع مزاعمه:" لقد رأينا عشرات الحالات من رجال حماس يستخدمون سيارات الإسعاف، ويتقمصون شخصيات بالهلال الأحمر، وحتى إعلاميين وصحفيين، وهنا لن نأخذ ولن نتحمل أي مخاطر".


التعليقات : 0