غزة/ دعاء الحطاب
داخل إحدى غرف مستشفى غزة الأوروبي بمحافظة خانيونس، يستلقي الفتي الجريح تحرير وهبة (15 عاماً) على سريرة بجسده الضعيف المنهك من شدة الألم، محاولاً تشتيت ذهنه باللعب على الهاتف المحمول كي لا يشعر بالألم الذي تسبب به انفجار رصاصة في قدمة، الجمعة الأولى في فعاليات مسيرة العودة الكبرى .
الفتى وهبة لم يكن يعلم أنه سيكون ضحية رصاصة احتلال غادرة، بعد ثوانٍ معدودة من محاولته غرس علم فلسطين على مقربة من السياج الفاصل بين الحدود الشرقية لمدينة خانيونس والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م.
ففي اللحظة التي زحف بها آلاف الشبان والمتظاهرين نحو مواقع المواجهة مع الاحتلال، وبدأوا بإلقاء الحجارة والزجاجات الفارغة وإشعال الإطارات المطاطية، انتزع وهبة علم فلسطين من إحدى الخيام المنصوبة لغرسه على مقربة من السياج الفاصل، إلا أن رصاص الاحتلال كان أسرع منه، ليصاب برصاصة متفجرة تٌسقطه أرضاً.
ويتعمد جنود الاحتلال الاسرائيلي تنفيذ عمليات قنص بشعة بحق المواطنين الفلسطينيين المشاركين بمسيرة العودة الكبرى ، واصابتهم بالمناطق السفلية من أجسادهم بهدف احداث أكبر قدر ممكن من الإعاقات الحركية وحالات البتر، بالإضافة الى حالات الشلل الكامل.
وأعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة، عن ارتقاء 29 شهيدا واصابة نحو 3آلاف برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال قمعها مسيرات العودة، منذ انطلاقها يوم الجمعة 30 مارس الماضي، من بينهم 1296 بالرصاص الحي والمتفجر و79 إصابة خطيرة.
مهدد بالبتر
ويقول وهبة لـ"الاستقلال": " في يوم الجمعة 30/3، توجهت صباحاً الى منطقة خزاعة بخانيونس، للمشاركة في مسيرات العودة الكبرى برفقة أصدقائي، وبجانبي مئات المتظاهرين، كانت المسيرة سلمية ولم نتجاوز الحَدّ المسموح به، لكننا فوجئنا بإطلاق النار من الجنود الإسرائيليين، الامر الذي أغضب كافة المتظاهرين".
ويتابع وعلامات الألم ترتسم على ملامحه:" عندما شاهدت المتظاهرين يقتربون من الحدود أردت مشاركتهم وحاولت نصب علم على السياج الفاصل، لكني أُصبت برصاصة في قدمي قبل نصبه"، واصفاً الدقائق الأولى من الإصابة بأنها كـ"الصعقة الكهربائية تسري في كامل جسده".
وأضاف:" تم إنقاذي بعد معاناة طويلة، حيث تعمد جنود الاحتلال إطلاق النار باتجاه الشبان الذين يقتربون مني في محاولة إنقاذي، ثم قام المسعفون بتقديم الإسعافات الأولية لي في نقطة طبية، ثم تحولت إلى المستشفى الأوروبي بمدينة خانيونس"، مشيراً إلى أنه بعد الفحص تبين أنه أُصيب برصاصة متفجرة حطمت عظام ساقه، ما جعلها مهددة بالبتر.
واستصرخ وهبة، كل الضمائر الحية لمساعدته في السفر للعلاج في الخارج قبل أن يلجأ الأطباء لبتر قدمه.
الأرض كرامتنا
ولم تختلف حالة الجريح عامر أبو القمصان (29عاما) عن باقي الجرحى؛ إذ أصيب هو الأخر بطلق متفجر اثناء مشاركته بمسيرة العودة، يقول: " ذهبت أنا وأصدقائي للمشاركة في المسيرة، وبعد أداء صلاة الجمعة في العراء اقتربنا من الحدود الفاصلة، وبدأنا بغرس الأعلام والقاء زجاجات المولوتوف، حينها أطلقت قوات الاحتلال النار علينا بشكل جنوني".
وأردف أبو القمصان لـ"الاستقلال"، أنه عندما شاهد الإصابات تتزايد، زادت حماسته، وتقدم ناحية قناصة الاحتلال، وبدأ برشقهم بالحجارة، وكلما أطلقوا رصاصا اختبأ خلف تلة، دون أن يعرف أنهم يراقبونه وينتظرون خروجه من خلف التلة، مُضيفاً :" أُصبت بطلق متفجر في قدمي اليسرى جعل جسدي يرتجف بقوه، وسقطت أرضاً على الفور ودمي ينزف كالنافورة حتى تم نقلي للمستشفى".
وشدد الجريح أبو القمصان على أنه فخور بما فعله، رغم ما يعانيه من ألم، ويتمنى أن يعود لخطوط التماس من جديد بأقرب وقت، فلا يوجد عمل أشرف ولا أنبل من مقاومة محتل اغتصب الأرض وحاصر شعبا أعزل، مضيفا " تعودنا دائماً على التضحية من أجل أرضنا، فهي كرامتنا لم يتنازل عنها أجدادنا للاحتلال ونحن لن نتنازل عنها، لذا لا بد أن ندافع عنها حتى آخر قطرة دم فلسطينية ".
ويؤكد أبو القمصان أنه سيعاود المشاركة في المسيرات السلمية التي تطالب بتحقيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين، لكنّه سيكون أكثر حذرًا في المرة المقبلة.


التعليقات : 0