غزة/ محمد مهدي
سرعان ما انتشر دخانها الأبيض بين حشود المتظاهرين السلميين المنتشرين على الحدود الشرقية لقطاع غزة؛ لتخور قوى عشرات الشباب قبل أن يحضنوا أرضهم، وتسقطهم فاقدين للوعي نتيجة تلك الغازات التي ما زالت مجهولة النوع لدى الطواقم الطبية العاملة.
وكان الآلاف من الفلسطينيين قد احتشدوا على الحدود الشرقية والشمالية لقطاع غزة ضمن فعاليات مسيرة العودة الكبرى للجمعة الثانية على التوالي؛ للمطالبة بحقهم بالعودة لديارهم المهجرين عنها قسرا، وتطبيق القرارات الدولية والأممية المتعلقة بحق العودة ولاسيما القرار الامم 194.
ويقول أحمد أبو عمرة، من جوار سرير رفيقه خليل النجار، الذي استنشق الغازات السامة يوم الجمعة الماضية شرقي رفح :" اطلق جنود الاحتلال قنبلة غاز مباشرة على خليل مما ادى لاستنشاقه لكمية كبيرة من الغاز تسببت بدخوله في حالة غيبوبة منذ الجمعة الماضية حتى الآن".
ويوضح أبو عمرة أنه فور اصابة خليل تم نقله للنقطة الطبية في مخيم العودة ومنها إلى مستشفى النجار قبل ان يستقر به المطاف في المستشفى الأوروبي دون أن تتمكن الطواقم الطبية من تحديد نوع الغاز المستخدم وهو ما يفاقم صعوبة التعامل مع الحالة .
ويبين أن رفيقه المصاب لا يلبث ان يستفيق لمدة دقائق لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة حتى تعاوده حالة ارتعاش وتشجنج قوية مصحوبة بالآلام شديدة لا يستطيع تحملها قبل أن يعود مجددا لحالة الاغماء .
ولم تختلف حالة النجار عن شريك القضية أحمد زعرب والذي تعرض للغاز السام قبل جمعتين ، ويقول والد أحمد :" عانى أحمد من غيبوبة مستمرة لمدة أربعة أيام قبل أن يستفيق مع استمرار المعاناة من رعشات وتشنجات قوية مفاجئة" .
ويشير زعرب، إلى حصول نجله على تحويلة طبية لتلقي العلاج في مستشفيات الداخل بتاريخ 15 ابريل الجاري، معقبا :" أخبرنا الأطباء عن وجود كتلة غاز على الصدر لم يتم تحديد نوعها وبالتالي لا يوجد ما يمكن ان يقدموه له في مشافي القطاع ".
انتهاكات خطيرة
بدوره أكد الراصد الحقوقي للمركز الفلسطيني لحقوق الانسان في محافظة رفح بلال خير الدين أن قوات الاحتلال اطلقت كمية كبيرة من قنابل الغاز مستهدفة جموع المواطنين المتجمهرين على مسافات بعيدة من الحدود.
وقال خير الدين لـ "الاستقلال" :" استخدمت قوات الاحتلال العربات المزودة بقواذف لإيصال قنابل الغاز لمسافات بعيدة عن الحدود واصابة المواطنين في مناطق تجمهرهم ، وهو ما يكشف نوايا الاحتلال ايقاع أكبر عدد من الاصابات من خلال مكان سقوط تلك القنابل النافثة للغازات ونوعية الغاز الذي لم يتم تحديده حتى اللحظة" .
وبين أن الغازات التي تم استعمالها خلال الجمعة الثانية لمسيرة العودة شرق رفح اختلفت عن الغازات التي كانت تستعمل سابقا من حيث سرعة وكمية الاصابات التي تخلفها وكذلك الأعراض التي تسببها لمن يتعرض لها ، مردفا :" فور انتشار الغاز سقط عدد كبير من الاصابات فاق قدرة الطواقم الطبية على التعامل معها نتيجة اتساع رقعة انتشار الغاز وغزارة اطلاق القنابل ".
بانتظار النتائج
وبين الناطق باسم وزارة الصحة الفلسطينية أشرف القدرة أن مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار في محافظة رفح استقبل عشرات الاصابات نتيجة التعرض لغاز "مجهول" ، موضحا أن الحالات كانت تعاني من تشنج وتقيؤ مستمر وسعال شديد وإجهاد مصحوب بتسارع دقات القلب .
وأكد القدرة في حديثه لـ "الاستقلال"، أنه تم تقديم الاسعافات للمصابين خلال فترة مكوثهم التي استمرت ساعات طويلة تحت الرقابة والعلاج في المستشفى ، معقبا :" بعد خروج الحالات وفي اليوم التالي عاد عدد من المصابين بالغاز نتيجة عودة التشنجات والرعشة، ولا زالت هناك حالات تتلقى العلاج حتى اللحظة في مستشفى النجار والأوروبي ".
وكشف القدرة، عن وجود اختلاف كبير في الأعراض التي يعاني منها مصابو الغاز الذي تم اطلاقه شرقي رفح، عن الاعراض المعروفة لدى الطواقم الطبية نتيجة التعرض للغاز المسيل للدموع وهو ما يبرهن استخدام الاحتلال لنوع جديد من الغاز شرقي محافظة رفح .
وطالب المؤسسات الدولية والمعنية بالأمر بالتدخل ودراسة الحالات ؛ للتعرف على نوعية الغاز المستخدم لتحديد العلاج المناسب وانقاذ المصابين ، مشيرا إلى سحب الوزارة لعينات من دم وبول المصابين بالغاز وتحويلها للمختبرات الطبية المختصة لتحديد نوع الغاز فيما لم تصدر النتيجة بعد .
وكان النائب اشرف جمعة، الخبير في مجال المواد الخطرة، أكد استخدام الاحتلال الإسرائيلي أنواعاً مختلفة من الغازات السامة ضد المشاركين السلميين في مسيرات العودة، موضحاً أنه تم تحديد أحد هذه الأنواع وهو غاز "CN" وأخواته "CA" و"CS"؛ وهي غازات مهيجة وتندرج تحت مُسمى "الغازات المسيلة للدموع".
ولفت النائب جمعة، في تصريح له، إلى أن هذه التأثيرات تتركز على الإزعاج، وحرقة واحمرار وتهييج العينين وافراز الدموع، والغثيان والتقيؤ، نتيجة زيادة التركيز ما تسبب في حالات إغماء، قد تؤدي لأضرار للمصابين بأمراض مزمنة؛ خاصة المصابين بأمراض الربو والجهاز التنفسي.
ونصح جمعة، لتجنب الأضرار المستقبلية، بمغادرة مكان التلوث لمدة ساعتين، وخلع الملابس عن الشخص المصاب تمامًا، وغسل الجلد والفم بالماء والصابون، حتى لا يساعد الغاز بالعبور لجسمه، بالإضافة لغسل العينين جيدًا والوجه بمحلول فسيولجي تركيبته "6%" بكربونات الصوديوم، "3%" كربونات الصوديوم، "1%" كلور البنزال كونيم".
وارتفعت حصيلة المواجهات التي تشهدها حدود قطاع غزة إلى 20 شهيداً و2850 مصاباً حتى لحظة اعداد التقرير بحسب احصاءات وزارة الصحة الفلسطينية


التعليقات : 0