القدس المحتلة/ ياسمين مسودة
تنضم عملية تسجيل الأراضي في شرقي القدس المحتلة إلى سلسلة من خطوات سلطات الاحتلال لتولي المسؤولية في عدة مجالات بالقدس للسيطرة على المدينة، فوزارة التربية والتعليم تستخدم الضغط لفرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس التابعة لبلدية الاحتلال في المدينة، ووزارة المواصلات قامت بثورة تنظيمية في مجال المواصلات العامة، كما منحت بلدية الاحتلال لأول مرة أسماء لعشرات الشوارع في شرقي القدس.
الوضع القانوني للأراضي في المدينة:
نشر المسؤول عن تسجيل الأراضي في وزارة العدل إعلانًا لكل من يدعي من المقيمين المقدسيين ملكية الاراضي في كتلتين كبيرتين في حي بيت حنينا وكتلة أخرى في حي صور باهر، أن عليه التوجه الى مكتب «الطابو» وتقديم دعوى. إذ إن أكثر من 90% من الأراضي في الأحياء الفلسطينية في المدينة غير مسجلة في «الطابو». وغياب التسجيل خلق عدة مظاهر جانبية إشكالية، سواء للسكان أو الدولة. فالعديد من العائلات المقدسية لا يستطيعون استخدام أراضيهم أو البناء عليها لأنهم لم ينجحوا في إثبات أن ملكيتها حقًا تعود لهم، في معظم الحالات أدى ذلك إلى البناء غير القانوني.
من هذه العائلات عائلة الزير والتي تمتلك أرضاً بمساحة شاسعة قد تصل إلى عشرات الدونمات في مدينة القلب، تمتلك العائلة حسب ما يؤكد ابنها خالد الزير هذه الأراضي منذ أكثر من مائة عام، لكنها غير مسجلة في «الطابو». فقد قال :» «اشترت العائلة الأرض في العام 1888، يوجد لدينا كوشان تركي، وتوجد لدينا الوثائق الأردنية والبريطانية». «ذات مرة سألت اذا كان يمكن التسجيل في إسرائيل، فقالوا لي إن هذا يكلف الكثير من المال، الذي لا يمكنني دفعه».هذه العائلة اضطرت للسكن في مغارة بعد أن قامت بلدية الاحتلال بهدم منزلها بحجة أنه منزل غير قانوني.
امتنعت بلدية الاحتلال عن تسجيل الأراضي في مدينة القدس في «الطابو» منذ احتلال ما تبقى من المدينة في العام 1967. بسبب الخوف من ردود سياسية على خطوة كهذه، ومن التوجه العام في «إسرائيل» بالامتناع عن تسوية وضع الأحياء في المدينة، التي رغم ضمها بقيت طوال أكثر من عشرين سنة مناطق غير واضحة السيادة تفصل بين إسرائيل وباقي أراضي الضفة الغربية.
في حالات أخرى فإن غياب مركز لتسجيل متفق عليه صعّب حل نزاعات الأراضي بين الفلسطينين فيما بينهم، وبين اليهود فيما بينهم، وبين الفلسطينين واليهود. فدولة الاحتلال لم تستطع أن تجبي الضرائب من أصحاب الأراضي أو من أطراف الصفقات العقارية لأنها في أحيانً كثيرة لم تعرف من هم ، ما أدى إلى خسارتها طوال السنين مليارات الشواقل.
يعتبر الفلسطينيون هذه الخطوة الإسرائيلية، مثل خطوات كثيرة، في الأساس محاولة أخرى لتعزيز السيادة الإسرائيلية ونقل أراضِ ومبانِ من أيدي الفلسطينيين إلى ايدي دولة الاحتلال أو المستوطنين.
جاء رد وزارة العدل الإسرائيلية على عملية تسجيل الأراضي: « من الطبيعي أن تقوم وزارة العدل بواسطة قسم تسجيل الاراضي بالعمل على تسوية الأراضي في شرقي المدينة، بعد مرور عشرات السنين من فرض السيادة الإسرائيلية على شرقي القدس مثلما تم في أرجاء «إسرائيل». في هذا الشأن لا يجب أن يكون تمييز بين غربي المدينة وشرقها. وإلى جانب ذلك يشار إلى أن سكان المكان سيتمتعون من التسوية التي يدور الحديث عنها لأنه في غياب التسوية فإن أصحاب الحقوق على الأراضي غير مسموح لهم بتطبيق حقوقهم عليها، بما في ذلك الحصول على رخص البناء. تسوية الأراضي ستنفذ وفقًا للقانون والإجراءات، وفي إطارها فإن كل من يدعي الملكية على الأرض يمكنه تقديم دعوى لموظف التسوية. وفي حالة تلقي ادعاءات متناقضة فإن الإجراء ينقل إلى المحكمة للبت فيه.»
من الإيجابيات الشكلية لتسجيل أراضي شرقي القدس في «الطابو» العائدة على المقدسيين في المدينة كما تدعي حكومة الاحتلال أن هذه العملية ستساهم في تطوير البنى التحتية والمباني العامة، وستقلص حجم البناء غير القانوني في المدينة، كما أن أسرة مقدسية ستوفر ما يقارب 80 ألف شيقل، في المقابل فإن الفؤائد الحقيقية ستعود بالنفع على حكومة الاحتلال بالقدس، إذ إن هكذا عملية لتسجيل الأراضي ستستخدم كوسيلة لفرض السيادة الفعلية وبشكل نهائي وكامل على شرق القدس كما أنها ستشكل أداة لنقل الأراضي لليهود بشكل أسهل وأسرع، كما سيسمح للدولة بمصادرة أملاك الغائبين.
ينبغي الإشارة إلى أن حكومة الإحتلال قد أصدرت قرارًا في عام 2015 تعتبر بموجبه جميع الأراضي في الشطر الشرقي للمدينة هي أملاك غائبين، كما أن بلدية الاحتلال في القدس ستربح نحو ربع مليار شيقل سنويًا بسبب فرض ضرائب على الأراضي التي تم تسجيلها ولم يتم جباية الضرائب منها سابقًا، كما سيؤدي إلى موجة دعاوى لدفع الضرائب لصالح حكومة الاحتلال، صندوق الدولة سيربح نحو 300 مليون شيقل، كما سيؤدي إلى شطب صفقات من الماضي لم يتم تسجيلها.
عملية تسجيل الأراضي في «الطابو» هي خطوة أخرى من خطوات تفريغ القدس من محتواها العربي، لتحقيق هدف المقولة الصهيونية «عرب أقل أرض أكثر».


التعليقات : 0