أنطوان شلحت
منذ أعوام طويلة تحذّر جهات عديدة من واقع أن «سلطة الآثار» في دولة الاحتلال الإسرائيلية تشكل أداة دعائية في تكريس الرواية التاريخية الصهيونية المتخيّلة بشأن فلسطين ولا سيما في منطقة القدس. وتقف في طليعة هذه الجهات «مؤسسة الأقصى للوقف والتراث»، حيث تشير البيانات الصادرة عنها إلى أن الحفريات الإسرائيلية التي تجري مثلًا أسفل المسجد الأقصى المبارك وفي محيطه دمرت آثارًا إسلامية عريقة، موضحة أن هذا يتم بشكل مُمنهج ويطول أكثر شيء الآثار الإسلامية العريقة الممتدة منذ الفترة الأموية وحتى الفترة المتأخرة خاصة ما بين القرنين السابع والحادي عشر الميلادي.
ووفقًا لتقارير من المؤسسة، فإن من ضمن الآثار التي دُمرّت طبقات أثرية شكلت أحياءً سكنية في الفترتين الأموية والعباسية من بينها مقبرة إسلامية.
وجاءت تأكيدات المؤسسة وتحذيراتها في إثر زيارات ميدانية متعددة، لكن أساسًا بالاستناد إلى دراسات علمية تنشرها بصورة دورية جمعية «عيمق شافيه» (وادي المساواة أو باطن متساو)، وهي مؤسسة تضم بالأساس علماء آثار إسرائيليين ينتقدون استعمال دولة الاحتلال البحث والحفريات الأثرية لخدمة حاجات ودواعٍ سياسية وإيديولوجية، كشفت فيها النقاب عن وجود تعاون وثيق بين «سلطة الآثار الإسرائيلية» وجمعيات استيطانية أبرزها جمعية «إلعاد» في مخطط يهدف إلى تهويد باطن الأرض عبر الحفريات الواسعة الجارية بعيدًا عن الأنظار.
وهو مخطط قديم لكن جرى تكثيفه بوتيرة متسارعة هذا العام ارتباطًا بإحياء ذكرى مرور نصف قرن على احتلال 1967.
وقد بدأت مراسم إحياء هذه الذكرى في القدس عند نهاية عام 2016 الفائت بتدشين ما يوصف بأنه «طريق عولي هريجل» (طريق الحجاج اليهود)، وهو عبارة عن شبكة أنفاق جرى حفرها منذ أعوام تحت بيوت قرية سلوان الفلسطينية.
وبموجب ما يؤكد المدير العام لمنظمة «عيمق شافيه» عالم الآثار يونتان مزراحي، يسهل من تحت الأرض نسيان قرية سلوان المكتظة، المهملة، التي تناضل منذ أعوام طويلة من أجل حقوقها الأساسية. فالأنفاق التي يتم حفرها بواسطة «سلطة الآثار» لصالح الجمعية اليهودية الاستيطانية «إلعاد» تكشف عن مقاطع من شارع عتيق يعود تاريخه، بحسب من ينفذون الحفر، وبالأساس بحسب السياسيين الذين يقصدون المكان للمشاركة في الطقوس التي يتم تنظيمها هناك بين الفينة والأخرى، إلى فترة الهيكل اليهوديّ الثاني، قبل ألفي عام. ويلفت إلى أنه في هذه المناسبات عادةً ما يقوم السياسيون بتأكيد حق «شعب إسرائيل» في أرضه، ويزعمون بأن العالم كله يجب أن ينزل إلى باطن الأرض ليرى آثار الشارع العتيق، على اعتبار أن هذا لوحده كاف ليظهر للجميع «لمن يعود البلد حقًا».
لكن هذا الشارع الروماني الذي حفر كان شارعًا رئيسيًا مشى فيه أناس كثر وليس بالضرورة يهود فقط، على ما يؤكد مزراحي. وتثبت دراسات كثيرة أن الشارع شهد حركة نشطة ليست بالضرورة مقدسة أو يهودية، إلا إن هذه الحياة المليئة بالحيوية والمثيرة للفضول ليست جيدة بما فيه الكفاية لدعاة الصهيونية. كما أن الشارع الذي تم الكشف عنه في سلوان ليس مقدسًا بل على العكس هو العلمانية بعينها. ففي العصر القديم أقيمت مبان مقدسة ومبان عامة علمانية على طول الشوارع الرئيسية. غير أن المبادرين إلى حفر الشارع ومعهم الساسة يفضلون اسم «طريق عولي هريجل»، فمن خلال ذلك يتحول الشارع بغمضة عين من شارع روماني عتيق مشى فيه أناس من أديان وأجناس وأعراق متعددة، إلى شارع لليهود فقط.
ويمضي عالم الآثار هذا قائلًا إن الانطباع من القليل الذي نعرفه هو أن الحديث عن شارع بُني بشكل جيد وربط بين جنوب المدينة ومركزها. وفي العالم الروماني عامةً وفي القدس خاصةً لم يكن هناك فصل بحسب ديانات أو شعوب. ومن ناحية الرومانيين، كل من قبل بسلطتهم كان بإمكانه أن يعيش في مناطقهم ويمشي في شوارعهم. بناءً عليه، فالشارع الذي تم الكشف عنه يحكي القليل عن القومية والقداسة، وبالتأكيد يحكي الأقل عن القداسة اليهودية.
سريّة النشاط الأثري الإسرائيلي في الضفة
مهما يكن فإن مسألة النشاط الأثريّ الذي تقوم به دولة الاحتلال الإسرائيلية يثير شبهات لا حصر لها في الآونة الأخيرة.
وسنشير هنا إلى اثنتين من هذه الشبهات أثيرتا على نحو واف أخيرًا، على أن نتابع غيرهما في مناسبات أخرى.
الشبهة الأولى: في يوم 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 رفضت المحكمة المركزية في القدس، معظم ما جاء في طلب التماس قدّمته منظّمتا «عيمق شافيه» و»يش دين» («يوجد قانون»، منظمة لحقوق الإنسان)، وطالبتا فيه دولة الاحتلال بالكشف عن أسماء العلماء الذين ينقّبون عن الآثار في أراضي الضفة الغربية، وعن المواقع التي يتمّ فيها العثور على آثار، وذلك أسوةً بالإجراءات المتّبعة في «سلطة الآثار» داخل الخط الأخضر. وأشير في حينه إلى أن سبب القرار يعود إلى خشية المنقّبين ودولة الاحتلال من التعرّض إلى مقاطعة أكاديمية يمكن أن تمسّ بالباحثين وتصعّب عليهم مواصلة إجراء الأبحاث الإسرائيلية في الأراضي المحتلة منذ 1967.
وقُدّم طلب الالتماس ضد ما يسمى «الإدارة المدنية» المسؤولة عن شؤون الأراضي المحتلة منذ 1967، وضد ضابط الآثار في الجيش الإسرائيلي، وهما الطرفان المخوّلان من طرف الحكم العسكري الإسرائيلي بإصدار رخص لإجراء تنقيبات أثريّة في أراضي الضفة الغربية.
وقالت المنظمتان صاحبتا الطلب إنه من وجهة نظرهما، فإن قرار المحكمة المركزية الذي يتيح لـ»الإدارة المدنية» إمكان التكتّم على أسماء المنقّبين والمواقع التي يتمّ العثور فيها على الآثار أو تلك التي يتم حفظها فيها، هو أكبر دليل على التعامل مع علم الآثار في الضفة الغربية كنشاط سياسي من المحبَّذ إدارته في الخفاء، وليس كبحث أكاديمي. وأوضحتا أن القاعدة الأساسية في البحث العلمي هي الكشف عن هوية الباحث ونشر أساليب عمله واكتشافاته، كما أن مصلحة الباحث الرئيسية هي أن تصل مكتشفاته للجمهور. وإذا كان مسموحًا في الضفة الغربية التكتّم على أسماء علماء الآثار وحرمان الجمهور من إمكان معرفة المواقع التي تمّ العثور فيها على الآثار، فمعنى ذلك أن الهدف من علم الآثار في الضفة الغربية هو خدمة أهداف لا علاقة لها بالبحث الأثري.
وبرأي المنظمين، يعني هذا القرار في الواقع أنّ مؤسسات دولة الاحتلال كافة باتت معرّضة لشبهة إجراء حفريات سرّية في مناطق الضفة الغربية، وليس هذا فحسب إنما أيضًا يحدّد من الآن إمكان التكتّم على استعمال الأراضي العامة لحاجات علميّة ليس بغرض حماية الآثار (أحيانًا يتكتّم الباحثون على مواقع أثرية معينة لحمايتها من النهب) بل لحماية المنقّبين عن الآثار والعلاقات الخارجية للدولة. ويدلّ البند رقم 39 من قرار المحكمة على ضلوع وزارة الخارجية الإسرائيلية في الموضوع. وعمليًّا، يتمحور القرار حول «الضرر الذي قد تتعرّض له العلاقات الخارجية الإسرائيلية» و»خشية التعرّض إلى مقاطعة أكاديمية».
وأكدت المنظمتان أن الآثار هي ملك تراثي للجمهور عامة، وبالذات للشعب الفلسطيني الذي يتمّ اكتشاف الآثار في أرضه. وبالتالي من المستغرَب أن تسمح المحكمة لـ»الإدارة المدنية» باستعارة آثار من دون إلزامها بواجب تقديم تقارير عن مصادرها، ومن دون تمكين سكان المكان من معرفة المواقع التي يتم حفظ الآثار فيها.
وختمتا بالقول: «يظهر أنه بينما يتحدّث الجميع عن قانون شرعنة المستوطنات، تصادق المحكمة اليوم أيضًا على قاعدة شرعنة سرّية ممارسات الإدارة المدنية».
الشبهة الثانية: فضلًا عن أن ما يُنشر حول الحفريات التي تجري في محيط منطقة القدس قليل جدًّا، فإن طريقة الحفر التي اعتمدت في حفر الأنفاق مثيرة للجدل في البحث منذ مائة عام. والمقصود طريقة الحفر الأفقية. فهذه الطريقة تعتبر غير دقيقة ومُدمرّة وتضع صعوبات أمام فهم الطبقات المتعددة والفترة التي استخدمت فيها.
ويرى مزراحي أنه في الأعوام المائة الأخيرة تتم الحفريات الأثرية من أعلى السطح إلى عمق الأرض، وإذا تعذر الحفر بصورة منظمة فمن الأفضل ترك الموقع كما هو. لكن يبدو أن الحديث من ناحية دولة الاحتلال يدور حول طريقة مريحة لإيجاد واقع يهوديّ متخيل توجد من فوقه بيوت فلسطينية.
ويمكن أن نضيف أن إيجاد واقع متخيّل كهذا يُفترض أن يحيل إلى أن حق الذين فوق جاء على حساب
حق الذين كانوا تحت. وتجريد حقوق الذين فوق لا يعدو كونه أكثر من إعادة هذه الحقوق إلى أصحابها، بالرغم من أنها مُتخيّلة بل ومُختلقة بأدوات تزعم أنها علمية. وهذا هو بالضبط ما عناه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حين صرّح خلال احتفال خاص أقيم في الكنيست لإحياء ذكرى مرور خمسين عامًا على حرب حزيران/ يونيو 1967 واستئناف النشاط الاستيطاني اليهودي الكولونيالي في الضفة وغور الأردن، بأن «عودتنا إلى ربوع وطننا تحقيق للعدالة وممارسة لحقنا»!.


التعليقات : 0