أمهات الأسرى.. شوق بعدد أيام السنة!

أمهات الأسرى.. شوق بعدد أيام السنة!
الأسرى

في يوم الأسير

 

غزة/ دعاء الحطاب

كعادتها منذ أحد عشر عاماً، ترتدي ثوبها المطرز وتزين عنقها بكوفية أبنائها لتبدأ رحلتها بالتجول بين شوارع مدينة رام الله لحضور فعاليات يوم الأسير الفلسطيني، رافعةً صورة فلذات كبدها الذين غيبتهم قضبان السجون الإسرائيلية، شامخةً فخورةً بهم كيوم اعتقالهم، لكن هذه المرة باتت مختلفة فهي تجوبها بخطوات بطيئة عبر دعامات المشي ذات الأربع الأرجل بعدما تضاعفت عليها الألآم والأوجاع حزناً لفراقهم.

 

الثمانينية لطيفة أبو حميد، التي تقطن مخيم الأمعري بالقرب من مدينة رام الله، سلب منها الاحتلال خمسةً من فلذات كبدها، حكم على أربعة منهم بالسجن مدى الحياة في عام 2002م، فنجلها ناصر محكوم سبع مؤبدات و50 عاماً، أما نصر محكوم بالسجن خمسة مؤبدات، في حين حكم شريف بالسجن أربعة مؤبدات، ومحمد بالسجن مؤبدين و30 عاماً، بينما أُعتقل الأبن الصغر جهاد ادارياً منذ أربعة شهور، لتزداد باعتقاله ألماً وحسرة فجميع أبنائها يقبعون بزنازين مُظلمة لا تصلح للعيش الأدمي.

 

معاناة الأم "أبو حميد" تتقاسمها 6500 أم أسير يقبعون داخل مختلف سجون الاحتلال الإسرائيلي، يعانين لوعة الفراق وتعتصر أفئدتهن ألماً لحال أبنائهن، ورغم أن أكثرهن عشن قصصاً تدمى القلوب لكنهن يمطرن صبراً ويفضن من رحم ألمهن أملاً بحريةٍ لابد أن تشرق شمسها، فقد مر الكثير على الفراق ولم يفارق أذهانهن صور وكلام وذكريات أبنائهن.

 

السنوات لا تنقضي

 

اعتادت "أبو حميد" على اعتقال أحد أبنائها بين الفينة والأخرى، إلا أن أسرهم جميعاً كان الأصعب، حيث حُكم عليها بفراق أربعة مدى الحياة وأحدهم لا تعلم مصيره بعد، منذ ذلك الوقت لم تعد الأم المكلومة تشعر بنبضات قلبها وباتت تحاول إحصاء السنوات التي ستعيشها بدون فلذاتها.

 

وتقول أبو حميد لـ"الاستقلال" بصوتها المرتجف: "حزني واشتياقي لأبنائي لم يتوقف للحظة منذ اعتقالهم، فهم قطعة من روحي وحياتي كلها، في كل يوم انتظر خروجهم واحتضانهم بفارغ الصبر رغم حكمهم بالسجن مدى الحياة"، مشيرةً إلى ان اعتقال صغيرها جهاد منذ أربعة أِشهر ضاعف حزنها ووحشتها لفراقهم.

 

وتتابع أبو حميد والدموع تملأ عينيها:" الأم لو غاب عنها ابنها يوم واحد بتفقد عقلها فكيف لما يغيب لسنوات او مدى الحياة، الاعتقال ليس سهلاً لكن كل أم اسير تجبر على نفسها لتكون قوية لأن انهيارها يعني انهيارهم".

 

وأضافت بحسرة:" " كل يوم من 11سنة كان يمر وفي تفاصيله لون جديد من ألوان العذاب" متسائلة: "عن أي عذاب نحكي عن المنع الأمني لأكثر من 6سنوات؟ أم عن التفتيش والانتهاكات الكثيرة بحقنا اثناء الزيارة؟ أم عن زيارة أربعة أبناء بـ 45 دقيقة فقط بعد معاناة طويلة؟" مستدركة: " معاناتنا كبيرة جداً لا يمكن وصفها أو كتابتها بسطور فألمها ينزف بقلوبنا".     

 

ومنذ اعتقال أبنائها ورغم الإعياء والمرض، تتنقل والدة الأسرى أبو حميد في كل حين، من اعتصامٍ إلى أخر وتحيي يوم الأسير في  17 نيسان منذ اعتقال أبنائها، لعلها بذلك تُسمع العالم صوتها وتجد مُنجداً ينقذهم من ظلمة السجان ويعيدهم لأحضانها.

 

وأوضحت أبو حميد، أن الفعاليات والاعتصامات الداعمة للأسرى هي السلاح الوحيد بيد أمهات الاسرى في سبيل مشاركة أبنائهن معاناتهم بالأسر ومنحهم قوةً وعزيمة للبقاء صامدين، وأنها أخذت على عاتقها المشاركة بكافة الفعاليات لحين ينال أبنائها الحرية، مطالبةً الفصائل الفلسطينية بجعل قضية الأسرى نصب أعينها وعدم التخلي عنهم والسعي للإفراج عنهم بشتى الطرق.

 

معاناة متزايدة

 

وهناك أمام إحدى خيام مسيرة العودة المقامة على الحدود شرق مدينة غزة، والمنوي اقامة فعاليات يوم الأسير بها، تجلس والدة الأسير مجدي ياسين أمام صورته تقلب عينيها بين ملامحه الغائبة خلف سجون الاحتلال، والتي لم تستطع تخيُل كيف أصبحت، بعدما حرمها الاحتلال من زيارته منذ سنوات.

 

بدأت مأساة ياسين منذ عام 2007 لكن أوجاعها لا تقل عن أمهات الاسرى الأكثر قدماً، فنجلها محكوم بالسجن 18 عاماً بتهمة انتمائه لحركة الجهاد الإسلامي.

 

وتروي ياسين لـ"الاستقلال" غصتها:" منذ اعتقال مجدي والألم لا يتوقف بداخلي وكأنه كتب علينا الحزن بكل لحظة تمر بدونه، ففراق الابن أشبه بطلوع الروح ببطء، والأيام غير كافية لتخفيف الاوجاع بل تضاعفها أكثر فأكثر".

 

وأردفت ياسين:" الاحتلال يتفنن في زيادة معاناتنا، ففي بداية اعتقال أبنائنا يحرمنا من معرفة أي معلومات عنهم ويتركنا نتخبط بأفكارنا وقلقنا عليهم، فعند اعتقال مجدي لم نتمكن من معرفة أي معلومة عنه الا بعد ثلاثة شهور بواسطة المحامي، كذلك لم نستطع زيارته لـ6سنوات كي يحرقوا قلوبنا عليه، بالإضافة لمنعنا من ادخال الاحتياجات الضرورية له كالملابس والنظارات الطبية و العلاج".

 

وحينما يحين اللقاء، تُقبل أم الأسير على زيارة نجلها باشتياق كبير لكنها تعود من هناك مشتاقة أكثر لضمه والاسى يجتاح قلبها، فهي لا تقوى على ملامسة يدي فلذة كبدها بسبب الحائط الزجاجي العازل الذي يحول بينهما، إضافة لمضايقات جنود الاحتلال أثناء الزيارة. 

 

وتتابع ياسين بحسرة: " بعد الانتظار لأيام طويلة يأتي موعد الزيارة وتختلط مشاعر الفرح بالحزن في الوقت ذاته، فبعد السفر لأكثر من أربع ساعات حتى نصل سجن السبع وتحمل المشقة والعذاب لا استطيع احتضانه أو حتى لمسه وهو على مقربة مني، كما لا استطيع أخذ حقي بالزيارة فالجنود يُضيعون الوقت بالتفتيش والتشويش علينا اثناء الزيارة"، مُضيفةً:" أكبر ألم يحتل قلب أم الأسير هو أن ترى ابنها مكبل الايدي ويقوده الجنود بمنتهي الوحشية".

 

وأضافت بعد ابتسامة مكسروه: "ظل مجدي لا يفارق خيالي ففي كل لحظة أذكره وهو ذاهب للجامعة وأنتظره لساعات حتى يأتي ليأكل الطعام الذي يحبه ويُحدثني عن يومه، أتخيله جالساً معنا على السفرة وهو يضحك".

 

وأكدت ياسين، أنها تحيي يوم الأسير الفلسطيني كي توصل رسالةً لنجلها مفادها:" أنا متعبة بغيابك لا أستطيع البقاء بالمنزل دونك، لذا أشارك بالفعاليات كي أستمد القوة منك"، متسائلة:" لماذا تحتض كل أمهات العالم أبناءهن وأمهات فلسطين لا؟، هل بات فرضاً عليهن البعد عن أبنائهن و البكاء عليهم طوال الحياة؟". 

التعليقات : 0

إضافة تعليق