نساء يصنعن المعمول في خيام العودة
غزة / دعاء الحطاب
رغم والجراح النازفة بمخيمات العودة على الحدود الشرقية لقطاع غزة، اثر عنف جنود الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة الاعتصامات والمظاهرات السلمية، إلا أن الجمال يكسوها بمختلف الأنشطة التراثية والترفيهية والشعبية، حتى باتت مكاناً ينبض بالحياة.
وشهدت مخيمات العودة أنشطة وفعاليات كثيرة يُعبر كل منها عن اسلوبٍ جديد بالتضامن مع المتظاهرين و تلبية نداء الوطن المسلوب، كما أنها تؤكد على سلمية المتظاهرين الفلسطينيين على الحدود، فهناك من لجأ للدحية والدبكة الفلسطينية وإلقاء الشعر، ومنهم من قدم خدماته مجاناً للمشاركين وتزويدهم بالماء والمشروبات الباردة، وهناك نسوة أخذن على عاتقهن اعداد أطيب الطعام لمشاركين وغيرها الكثير.
طعام برائحة البلاد
ووسط إطلاق النار وأصوات سيارات الإسعاف، انهمكت مجموعات من النساء بتجهيز أنواعٍ مختلفة من المأكولات الفلسطينية الشعبية، وفيما نشط شبابٌ متطوعون كخلية النحل برفقتهن لتوزيع المأكولات على المتظاهرين الذين يواجهون بنادق الاحتلال بصدورهم العارية.
الأربعينية أم ياسر الشوا من "يافا" كانت إحدى النسوة اللواتي أخذن على عاتقهن اعداد الطعام للمتظاهرين على الحدود الشرقية لحي الشجاعية، فأعدّت طعاماً رائحته تعود بالذاكرة إلى أحاديث الآباء والأجداد عن "البلاد" وأطيب الأكلات الشعبية، كخبز الصاج والسماقية والمقلوبة.
وتقول الشوا خلال حديثها لـ" الاستقلال":" بعدما شاهدت مسيرة العودة والحشد الكبير في الميدان، وتضامن جميع الفئات الفلسطينية كل بما يستطيع، شعرت أننا توحدنا على تلبية نداء الوطن وحق العودة، فكان يتوجب علينا كنساء المشاركة والتضامن مع المرابطين في الميدان ولو بأبسط الأمور".
وأردفت:" أردنا أن نكون كنساء النبي والصحابة في الحروب نعد الطعام للمرابطين ونسقيهم الماء، لعلنا بذلك نستطيع تلبية ولو جزء بسيط من واجبنا الوطني".
وتتابع: " في كل يوم من مسيرات العودة كنا نعد أكلة مشهورة لدى الفلسطينيين بكميات كبيرة، لكننا لم نتحمل تكلفتها لوحدنا فهناك الكثير من العائلات و المشاركين تبرعوا لصناعة الطعام، وأعددنا السماقية وخبز الصاج و المقلوبة ومناقيش الزعتر وغيرها في أيام مختلفة".
وأضافت: "كانت الأجواء جميلة جدا ومميزة، أشعلنا النيران بجانب الخيام، وعليها تم إعداد الطعام بطريقة جميلة، وهو ما راق للمشاركين في المسيرات"، مؤكدةً أنهن في إعدادهن للطعام يرسلن رسالة للعالم مفادها: " نحن صامدون في أرضنا، متمسكون بعاداتنا وتقاليدنا وسنحييها في كل مكان وزمان، ولن نسمح بطمس هويتنا وسلب أراضينا".
نبض حياة
وفي شقٍ آخر، نحو الحدود الشرقية لمحافظة خانيونس، شكل عشرات الشباب على مرأى ومسمع جنود الاحتلال، سلسلة بشرية وبدؤوا بالرقص على واقع أنغام الدحية البدوية و أصوات الأناشيد الوطنية التي تم اختيارها بعناية، للمساهمة في تعزيز صمود الموجودين في المكان واضفاء نبض من الحياة على أعتاب الموت.
وقال الشاب على شموط:" اليوم الأول من مسيرة العودة كان ينبض بالحياة رغم دموية الاحتلال وبطشه، حيث شكل الشباب سلاسل بشرية ورقصوا الدحية والدبكة الفلسطينية على مقربة من جنود الاحتلال، الامر الذي جعل وجوههم تثور غضباً وقهراً من المحتل، وتتوهج حباً للوطن والموت في سبيله"، مشيراً إلى أن قيامهم بفقرات الدبكة والدحية كان عفوياً في البداية لكن بعد التشجيع الكبير لهم أصبحوا يتفقون على ما سيقدمونه مسبقاً حتى يكون أكثر تنظيماً وامتاعاً للمشاهدين.
ويرى شموط خلال حديثة لـ"الاستقلال" أن الدحية والدبكة الفلسطينية فقرات تراثية تأتي منسجمة تماماً مع فكرة مسيرة العودة، كما أنها تعبر عن سلمية مسيرات العودة على الحدود، والتي يسعى الاحتلال دائماً لتغيير طابعها من خلال أسلوب العنف الذي ينتهجه.
وأوضح شموط أن أجمل الأوقات التي تمر عليهم في مخيمات العودة، هي تلك التي يشاركهم بها كبار السن في أداء الدحية، وعندما يتفاعل الأطفال والنساء مع الدبكة بالتسقيف أو الزغاريد، الأمر الذي شكل لديهم حافزًا قويًا للاستمرار في المشاركة بشكل يومي في هذا الحراك السلمي.
وقال شموط:" من يجب أن يتعلم الصمود والعزة والكرامة، فليذهب لمخيمات العودة، ليُعايش الموجودين فيها، ويستمد منهم جرعات أمل وحياة وتصميماً على النصر".
يُقاوم بآلة الحلاقة
وفي زاوية أخرى بمخيمات العودة شرق حي الشجاعية، كان الشاب عمر عبدو يرتدي قميصاً مميزاً طُبع عليه علم فلسطين، ويزين عنقه بالكوفية، حاملاً بيديه ماكينة الحلاقة ليبدأ بحلق رؤوس الراغبين من المعتصمين والمتظاهرين مجاناً، تحت شاعر "أن كل فلسطيني يُقاوم بما يملكه".
ويقول عبدو:" منذ اليوم الأول لانطلاق مسيرة العودة، وانا أتوجه للحدود برفقة أصدقائي كي نطالب بحقنا بالعودة الى أراضينا المهجرة، وشاهدت الجميع يتضامنون ويقاومون بما يملكوه، فمنهم من كان بقلمه وأخرون بكاميراتهم وغيرهم بألعاب الرياضة ورقصات الدبكة وتوزيع المأكولات والمشروبات مجاناً، حينها شعرت بالغيرة وقررت أن أقاوم واتضامن بألة الحلاقة".
ويتابع عبدو خلال حديثة لـ"الاستقلال":" في البداية عزمت على تخصيص يوم الجمعة للحلاقة للمشاركين بالمسيرات مجاناً، فأخذت ألة الحلاقة وبطارية وبدأت بحلق رؤوس الراغين بالحلاقة، وعندما شاهدت مدى اقبال الناس على الحلاقة زادت رغبتي في إضافة يوم الاثنين أيضاً للحلاقة، كنوع من التضامن والتكافل مع المشاركين"، مشيراً إلى أنه يبدأ العمل بمخيم العودة من الساعة الرابعة عصراً ويستمر حتي التاسعة مساءً.
وأضاف عبدو " رغم الخطر الذي نواجه على الحدود، إلا أني أشعر بالاطمئنان والسعادة أثناء عملي الذي اجده ممتع أكثر من أي وقت أخر، كون الفلسطيني يبدع في مقاومته وتضامنه بكافة أماكن تواجد"، معتبراً ذلك سبباً كافياً لقهر الجيش الإسرائيلي الذي لطالما تغنى بانه لا يقهر.


التعليقات : 0