في يوم الأسير الفلسطيني

المحررة الزق تستعرض فصول معاناة الأسيرات بالسجون

المحررة الزق تستعرض فصول معاناة الأسيرات بالسجون
الأسرى

غزة/ دعاء الحطاب

في يوم الأسير الفلسطيني وفي كل لحظةٍ تمر، تعود الأسيرة المحررة فاطمة الزق بشريط ذاكرتها إلى تلك الأيام المريرة التي عاشتها داخل السجون الإسرائيلية، كيف لا وقد حُفر بعقلها وقلبها كل تلك الصرخات التي أطلقتها ألماً واستغاثةً دون أن يُلبيها أحد سوى ضحكات السجان وكلماته البذيئة.

 

المحررة الزق أحدى الاسيرات اللواتي عشقن حب الوطن وأردن أن يكون لهن بصمة تشرفهن، إلا أن الحظ حال بينها وبين تحقيق حُلمها بتنفيذ عملية استشهادية، حيث وقعت أسيرة في يد ضابط الاحتلال الاسرائيلي بمجرد وصولها معبر "كرم أبو سالم"، وبابتسامة يملؤها المكر وعيونٍ حاقدة قال لها: " أن هنا لاستقبالك، تركت عائلتي منذ الصباح الباكر لأنتظرك بنفسي"، لتبدأ من هنا حكايتها مع الأسر.

 

واعتقلت الزق بتاريخ 20/5/2007، بتهمة الانتماء إلى حركة الجهاد الإسلامي والنية لتنفيذ عملية استشهادية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، فيما تم الافراج عنها برفقة 18 أسيرة من الضفة الغربية ضمن صفقة تبادل جزئية بين المقاومة  و"إسرائيل" تمت مقابل شريط فيديو لجنديها الأسير آنذاك جلعاد شاليط.

 

محاولات لإجهاضها

 

أكثر من عامين قضتهما المحررة الزق في سجون الاحتلال، شاخت فيها إنسانية العالم الذي لم يلقيا بالا إلى ألامها، فمأساتها أوجعت القلوب وأبكتها هي وأطفالها الـ9 ألم الفراق طيلة تلك الأيام العجاف حتى انتزعت حُريتها.

 

وتقول الزق لـ"الاستقلال" من واقع تجربتها بالاعتقال:" المعاناة الحقيقية للمرأة الفلسطينية تكمن بأنها الوحيدة على هذه الأرض التي لازالت تقبع خلف القضبان تحت قبضة السّجان اللعين، والوحيدة من بين نساء العالم لازال وطنها مسلوباً من احتلالٍ متغطرس، لذلك هي تقاوم وتحارب لينعم أبناؤها بالحرية والسعادة".

 

وأردفت الزق: " كنت أنوي تنفيذ عملية استشهادية اسوة بمن سبقني من الاستشهاديات وحباً بوطني، لكن قبل تنفيذها قدر الله لي بأن أكون أسيرة وأن أعيش في ظلمات السجون، ولكنني بحمده تعالى كنت صابرة وقوية الإرادة وصامدة، لكوني مؤمنة بقضيتي وأعلم أن المصاب سيكون هيناً عندما يكون من أجل وطني فلسطين".

 

حينما أقدمت الزق على تنفيذ العملية لم تكن تعلم أنها حامل في جنين لم يبلغ من العمر سوى شهر، لكن ارادة القدر بأن يكون ونيس وحدتها في المٌعتقل بعدما تعرضت لأقسى أنواع التعذيب بغية اجهاضها.

 

وتتابع: "في البداية تألمت كثيراً وحزنت عندما أخبرني ضابط الاحتلال بالحمل، لأنني كنت أتمنى أن يولد ابني وسط أسرته وعائلته وأن يبصر النور بعد رحلة ظلمات الرحم، وفي ذات الوقت فرحت لأن الله أكرمني بأعظم هدية تؤنس وحدتي". 

 

" زنزانة صغيرة لا تكفي لأن يجلس بها فرد واحد، كرسي حديد وسلاسل، ظلامٌ دامس وسجان"، هذا كل ما كان عند الزق في سجن عسقلان، حيث باتت جدرانه شاهدةً على الانتهاكات بحقها و محاولات الإجهاض التي لا تعد، ضربٌ وشبح لساعاتٍ طويلة، صدمات كهربائية انتقاماً من صمتها ورفضها الإدلاء بالاعترافات عن العملية ومن ورائها، لينتهي بها الأمر إلى نزيف شديد شكل خطراً على الجنين.

 

وأضافت: " واجهت عذابات وحرمانا وضغوطات نفسية وجسدية داخل الزنازين ، عذبوني نفسيا وجسديا، ولكنني بحمد الله تعالى استخدمت أسلوبا جيدا مع السجانين، وهو اللامبالاة، وكنت لا أتوقف عن الدعاء وقراءة القرآن رغم الشبح والتعذيب، حاولوا  إجهاضي أكثر من مرة بتقديم حبوب غير معروفة، ولكنني كنت أتصرف بحكمة".  

 

ساحة حرب

 

انقضت أشهر حمل " يوسف" بثقلها وجاءت لحظه اشراق وجهه الصغير، لتخوض الزق حرباً جديدة مع السجان على سرير الولادة، فرغم أنها بوضعٍ لا تقوى به على الهروب إلا ان السجان أحكم تقييديها بالسلاسل ووضعوا حولها حراسةً مشددة، بمشهدٍ بات أشبه بساحة الحرب.  

 

واستطردت الزق في حديثها:" حين جاء المخاض شعرت وكأني بساحة حرب، قيدوني بالسلاسل بشكل همجي، وكانت معاملة الطبيبة والطاقم سيئة جدا، تعاملوا معي كإرهابية، فالضرب والشتم والاعتداءات لم تنته طوال فترة الولادة، وشعرت بالخوف من أن يقتلوا الطفل".

 

ساعاتٍ طويلة عاشتها الزق بلا شفقه، إهانة وتقييد مستمر في السرير، فشلت كل محاولاتها بالتفاوض معهم، طلبت منهم أن يفكوا قيدها ولو لدقائق ولكنهم رفضوا، ورغم شدة البرودة قاموا بفتح المكيفات في الغرفة وحرموها من ارتداء ملابسها الثقيلة، لم تجد فاطمة سوى أن تنظر للسماء وتقول :"فوضت أمرى لك رب"، حتى خرج صراخ طفلها في وجوههم ليعلن انتصار أمه على ما لاقته من إهانة طيلة الوقت.

 

وتتابع: "جاء يوسف إلى الحياة ليبعث في نفسي أملاً جديداً، لكنه أبصر النور بظلمات الزنازين وولد على يد سجانة حاقدة، وحرموه أيضا من أبسط حقوق الطفل والإنسان، وطاله الإهمال الطبي، حيث كان قد تعرض لوعكة صحية كادت تودي بحياته وكان عمره آنذاك 40 يوما".

 

وأشارت إلى أن "يوسف الصغير كان يخفف عن جميع الأسيرات عذابات السجان، كان يسعد بضحكاته جميع الأسيرات المعذبات المقهورات، وكلما أردن الهروب من الوضع الصعب الذي يعشنه كن يلعبن مع يوسف وكن حنونات جدا عليه".

 

سياسات الاحتلال

 

وعن واقع الحياة في السجون، تقول الزق: " الأسيرات داخل السجون يخضن تجربة قاسية في مواجهة التحقيق والتعذيب في تلك السجون والأقبية العنصرية التي لم ترحم شيخا ولا شاباً ولا امرأة ولا طفلا، كذلك لم تنكسر الأسيرات أمام مقصلة الجلاد ".

 

وأكدت أن سياسة إدارة السجون والشاباك الإسرائيلي بحق الأسرى والاسيرات الفلسطينيين، شرسة وعدوانية مضادة للإنسانية، هدفها اضعاف الاسرى وكسر إرادتهم الحديدية، ومنها العزل الانفرادي داخل زنازين صغيرة مظلمة، ومنعهم من الطعام والشراب، وكذلك فرض الغرامات المالية، المداهمات الليلة ومصادرة أغراضهم، منع الزيارات التي تعد فسحة الحياة الوحيدة للأسرى خلف القضبان.

 

وبينت أن المعاناة الصحية  والإهمال الصحي كانا الخطر الأكبر على الأسيرات، مضيفة:" إن هناك نساء كبيرات في السن مصابات بأمراض عديدة وأوضاعهن الصحية سيئة للغاية، يحتجن للأدوية ولا يقدم لهن سوى المسكنات".

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق