غزة/ دعاء الحطاب
مازال الاقتصاد الغزي يتدحرج نحو طريق الانهيار بكافة القطاعات التجارية، في ظل عدم وجود حلول تلوح بالأفق ومؤشرات لتحسين واقعه المتردي، الامر الذي دفع القطاع الخاص بالتهديد لخوض عصيان اقتصادي في القريب العاجل.
ووصل القطاع لتلك الحالة نتيجة استمرار الحصار الإسرائيلي المفروض منذ 11 عاما، واستمرار الانقسام، الذي كان له الأثر الكبير في تردي الوضع الاقتصادي، كذلك فرض السلطة عقوبات طالت رواتب الموظفين، الأمر الذي حرم القطاع من السيولة النقدية.
وحذرت مؤسسات القطاع الخاص في غزة، من إعلان "عصيان اقتصادي قريبًا جدًا" بسبب ما آل إليه الوضع الاقتصادي في قطاع غزة، موضحةً أن العصيان قد يشمل إغلاق كافة المعابر ووقف حركة الاستيراد ودخول البضائع إلى قطاع غزة والتوقف عن دفع أي أموال لكافة الجهات.
وأوضحت المؤسسات في بيان لها الاثنين الماضي، أن انهيار غزة ليس في مصلحة أحد، وأن كافة الأطراف ستتضرر جراء الانفجار المتوقع، مؤكدة "أنه في حال استمرار الأوضاع على حالها الراهن واستمرار الصمت الإقليمي والدولي على جريمة ذبح غزة وأهلها الصامدين، فإننا في مؤسسات القطاع الخاص الفلسطيني سوف نعلن ذلك العصيان".
كما حذر البيان الحكومة الإسرائيلية، من مغبة الاستمرار في تشديد الحصار وتضييق الخناق على غزة وأهلها، وطالبها بفتح المعابر وإطلاق العنان لحركة التجارة والصناعة والاقتصاد لتعمل بكل حرية والسماح باستيراد وتصدير البضائع والمنتوجات من وإلى غزة وتسهيل حركة الأفراد.
وطالب البيان، الرئيس محمود عباس، وقف إجراءات العقاب الجماعي ضد أهالي القطاع بشكل فوري، والعدول عن إيقاف رواتب الموظفين، وعدم رهن حياة ومصير أكثر من مليوني فلسطيني لنوازع الخلاف والتناقضات السياسية والفصائلية.
طريق مجهول
" ماشين في طريق مش عارفين شو نهايته، كل ما تقدمنا يزيد خراب ديارنا، واذا ما اشتغلنا كمان خراب ديار"، هكذا أعرب صاحب شركة عثمان للمواد الغذائية أبو محمد عثمان عن استيائه من سوء الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها وأمثاله من التجار نتيجة الازمات التي تعصف بالقطاع يوماً بعد يوم.
ويقول عثمان لـ"الاستقلال":" الوضع الاقتصادي الصعب في القطاع أثر علينا بشكل كبير، نشعر بشدته من شهر أكتوبر 2017 الى اليوم، كل يوم نقول بكره الوضع بتحسن، وشدة وبتزول لكن للأسف الأوضاع أصبحت مأساوية والقدرة الشرائية انخفضت لـ20% بسبب عدم توفر المال مع الناس".
وأضاف عثمان بيأس: " الواحد بطل قادر لا يبيع ولا يشتري، قاعدين بنشتغل على أشياء خفيفة لأنه كل اموالنا تحولت لديون بأيدي الناس وأصحاب المحالات التجارية".
وأوضح عثمان، انخفاض السيولة في الأسواق دفع بعض التجار للاستغناء عن العمال لديهم نظراً لعدم قدرتهم على دفع رواتبهم وتأمين احتياجاتهم اليومية خلال ساعات الدوام، وبعضهم أغلقوا شركاتهم بعد تراكم الديون المستحقة عليهم، مشيراً إلى أن نسبة مبيعاته كانت تبلغ 100ألف شيكل يومياً أما اليوم انخفضت لـ20 ألف شيكل ولم يحصل عليها بشكل نقدي، كما أن نسبة ديونه بالأسواق بلغت 5 ملايين شيكل، فيما بلغت الشيكات والقضايا في المحاكم 10ملايين شيكل.
الحل الأخير
ولا يختلف حال صاحب أحد المحلات التجارية جمال أبو رزق عن سابقه، فهو الآخر اصابته لعنة الازمات الاقتصادية وكبدته خسائرٍ فادحة وجعلته ملاحقاً بالمحاكم على خلفية الذمم المالية نظراً لعدم قدرته على سداد مستحقات تجار الجملة وفشله بتحصيل ديونه من المواطنين.
وقال أبو رزق لـ"الاستقلال": " مش عارفين من وين نلقاها كل يوم بتوقع على راسنا مصيبة جديدة، نلقاها من الضرائب والرسوم ولا من عقوبات عباس ولا من المحاكم التي تلاحقنا لسداد الديون، صارت حياتنا زي الدائرة المغلقة كلما حاولنا الخروج منها نرجع لنفس النقطة".
ويتابع بحرقة: "ما حدا حاسس فينا من المسؤولين، اعتصمنا وأضربنا وناشدنا بدون أي استجابة بل بالعكس كل لحظة الأوضاع تزداد قسوة والعقوبات تشتد، ما ضل أمامنا حل الا اعلان العصيان الاقتصادي حتى يتم تحسين اوضاعنا وتعويضنا عن الخسائر التي تسببوا بها".
وأشار إلى أن أوضاعه المعيشية صعبة للغاية، إذ لا يستطيع كغيره من التجار وأصحاب المحلات في ظل حركة الشراء الضعيفة للمواطنين وتدهور الأوضاع ،تدبير قوت أولاده واحتياجاتهم اليومية.
وسيلة ضغط
وبدوره، أكد المحلل الاقتصادي سمير أبو مدللة، أن القطاع الخاص الفلسطيني يمر بظروف صعبة للغاية نتيجة الأوضاع القائمة في غزة المتمثلة بالانقسام الفلسطيني والإجراءات العقابية التي فرضتها السلطة وأزمة رواتب الموظفين التي أثرت بشكل أساسي على نسبة السيولة في الأسواق وانخفاض معدل الواردات والتصدير، وأيضاً الحصار الإسرائيلي المفروض عليها منذ 11عام، لافتاً إلى أن هذه الظروف دفعت القطاع الخاص للتهديد بالعصيان الاقتصادي.
وأوضح أبو مدللة لـ"الاستقلال"، أن أزمة رواتب موظفين السلطة والإجراءات العقابية التي اتخذها رئيس السلطة ضد القطاع منذ عام2017، كانت أسوأ الظروف وأشدها قسوة على القطاع الخاص وأدت لانكساره بالأسواق، نظراً لعدم تسديد الموظفين والمواطنين المستحقات المتراكمة عليهم، ورجوع أعداد ضخمة من الشيكات في قطاع غزة والضفة وصلت لـ705 آلاف شيكل.
وأشار إلى تراجع عمليات الاستيراد في القطاع الخاص في الأوان الأخيرة ، فاذا كان يستورد في وضعة الطبيعي من ( 800-1200) شاحنة يومياً، أصبح اليوم في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة لا يستورد أكثر من (300-350) شاحنة يومياً، إضافة إلى أن أكثر من 900 منشأه تجارية وصناعية من القطاع الخاص تدمرت خلال الحرب الأخيرة على القطاع لم يتم تعويضها حتي اللحظة.
وبين أن الاحتلال الإسرائيلي له دور كبير في تراجع القطاع الخاص، كونه مازال يسيطر على المعابر وبالتالي يمنع خروج السلع والخدمات من القطاع، مما أدى إلى تراجع الصناعة في السنوات الماضية، إضافة الى ما تعانيه الأونروا من أزمات مالية وتقليص خدماتها لـ50% خلال الفترة الأخيرة، لا سيما وأن هناك 80% من السكان يعتمدون على المساعدات.
ويري أن القطاع الخاص المشكل الأكبر للعمالة في القطاع والضفة، والمساهم الأكبر في القيمة المضافة، وبالتالي تهديده بالعصيان الاقتصادي يُمثل وسيلة ضغط على السلطة الفلسطينية وطرفي الانقسام و المجتمع الدولي لإنقاذ غزة ، كون انهيار القطاع الخاص يعني انهياراً شاملا لقطاع غزة، لذا يجب أن يؤخذ تهديده بعين الاعتبار والتحرك سريعاً قبل تنفيذه.
ونوه الى أن العصيان الاقتصادي يعني توقف كافة العمليات التجارية، وعدم تعاطي التجار مع السلطة الفلسطينية بدفع الضرائب وتسديد المستحقات للبنوك والمؤسسات الأخرى، كذلك عدم التعامل مع المواطنين و أصحاب المحال بوقف عمليه الاستيراد و التصدير، الأمر الذي سيدخل قطاع غزة بأزمات كارثية.


التعليقات : 0