مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/ إسماعيل مهرة
"لو فيها زيت لضوت" هذا ما يمكن أن يجمل به أي فلسطيني نتائج جولة ترامب إلى المنطقة، فيما يتعلق بكل عملية النفخ والترويج لما يطلق عليه "مسيرة التسوية"، فبعد نصف تريليون دولار وبيعة زعماء العرب والمسلمين لترامب في حربه على من حددهم بـ "معسكر الإرهاب"، وكل حفاوة الاستقبال والكرم العربي وأدب الخطاب إلى حد الإذعان؛ في خمس خطابات لترامب خلال يومي زيارته للمنطقة، لا كلمة واحدة عن الدولة الفلسطينية أو الاحتلال، ولا حتى عن آفاق الحل أو مرجعياته، ولا كلمة عن الشرعية الدولية، ولا عن الاستيطان، ولا حتى عن الحقوق أو الكرامة الفلسطينية ولا عن المعاناة، وهذه قضايا حافظ كل الرؤساء الأمريكان في السنوات الأخيرة على التطرق إليها، ولو من باب المجاملة ورفع العتب أو من باب تشجيع القيادة الفلسطينية على الدخول في المفاوضات المباشرة، فما تمسك ترامب بشدة في الامتناع عن قوله أو حتى التلميح له يقول به ويتبناه معظم الزعماء الإسرائيليين، بما فيهم نتنياهو نفسه.
بينما في لقائه الخاطف مع الرئيس عباس في بيت لحم، شدد كثيرًا على محاربة الإرهاب، وبوقاحة تبنى الإدعاء الإسرائيلي، حيث قال "لا يمكن للسلام أن يتحقق في بيئة يسودها العنف، ويتم التسامح معه وتمويله، وتوفير ملاذ آمن له، ومكافأته أيضًا، مشددًا على ضرورة "أن نكون حاسمين في إدانة مثل هذه الأحداث يصوت واحد"، أي انه بشكل وقح وفظ، وعلنًا، طالب السلطة بأن تبرهن على تمسكها بالسلام عبر "محاربة الإرهاب" ووقف تمويله وعدم التسامح معه، وهو ما أكده نتنياهو سابقًا من ان المعيار الحقيقي للتمسك بالسلام هو وقف تحويل الأموال للأسرى ولعائلات الشهداء، وهو ما أكده نتنياهو في خطابه الأخير في متحف إسرائيل بقوله "لو كان منفذ هجمات مانشستر فلسطينيًا لتلقى تمويلًا من السلطة"، الشيء الذي كان ألمح إليه ترامب فيما يخص الفلسطينيين هو الجانب الاقتصادي، حيث قال في ذات اللقاء "أتطلع للعمل مع الرئيس عباس حول قضايا مهمة أخرى، مثل الاستفادة من الإمكانيات المتاحة للنهوض بالاقتصاد الفلسطيني"، ويبدو ان ترامب سمح لنفسه بذلك بعد أن أخبره نتنياهو ان الكابينت الإسرائيلي وافق - بعد نقاش عاصف جرى على شرف زيارة ترامب - على تقديم تسهيلات اقتصادية للفلسطينيين.
ترامب صاحب اللسان المنفلت تجاهل متعمدًا تاريخ المعاناة الفلسطينية، وتاريخ وأسباب الصراع، وتمسك بخطاب محاربة الإرهاب، والإرهاب الذي يجب محاربته - حسب ترامب - هو ذات الإرهاب الذي تعرفة وتحدده الدوائر الأكثر يمينية في إسرائيل، الذي يشمل حتى إلقاء الحجارة أو تظاهرة خشنة ضد الاحتلال، وقد كانت كلمة الإرهاب هي الكلمة الأكثر حضورًا وتكرارًا في خطاباته وأقواله، حتى لم يعد بالإمكان إحصائها.
لكنه بالمقابل خرج عن طوره تقريبًا لتأكيد دعمه اللامحدود لإسرائيل وتبني الرواية الصهيونية والمزاعم التوراتية عبر الثناء وإغداق المديح لروح الشعب اليهودي وصلته التاريخية الأبدية بمدينة القدس، وإعجاز الروح اليهودية التي تغلبت وانتصرت على جرائم الإبادة عبر التاريخ، فكان الرئيس الأمريكي الأول الذي في فترة رئاسته يزور حائط البراق، الموجود في القدس الشرقية، في رسالة واضحة لما يعنيه هذا الحائط بالنسبة لترامب وأسرته.
ويمكن تلخيص هدف الزيارة من ناحية ترامب بإعادة تأكيد العلاقة والروابط العميقة والمتينة بين أمريكا وإسرائيل، القائمة حسبما يقول على القيم المشتركة لقيم الحب والحرية وكرامة الانسان، وإظهار كونه الصديق الأهم لإسرائيل على مر تاريخ رؤساء البيت الأبيض، والدفع لإطلاق مفاوضات مباشرة مفتوحة غير ملزمة وبشروط مريحة لإسرائيل، تمنح أمريكا وإسرائيل مظلة أو منصة انطلاق لتكوين تحالف شرق أوسطي عربي إسلامي أمريكي للتصدي لإيران وإعادة تشكيل وتقسيم المنطقة، وتعزيز عوامل التطبيع العربي مع إسرائيل تحت عنوان التعاون الأمني والتصدي للإرهاب وتعزيز استقرار المنطقة.
بالنسبة للسلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، فلا يبدو ان لديهم شعورًا يبعث فيهم أي شيء من الطمأنينة، وكان ذلك واضحًا على ما يبدو ممّا سمعه الرئيس في لقائه المغلق مع ترامب، حيث بدا غير مرتاح ومتجهم، وحسبما نشرت اليوم صحيفة "الحياة اللندنية" فإن مبادرة ترامب التي ينوي إعلانها خلال الأسابيع المقبلة تركز على إطلاق مفاوضات مباشرة على مدار سنة إلى سنة ونصف، دون التزامات أو مرجعيات، ومن الواضح ان السلطة تراجعت عن كل شروطها للعودة للمفاوضات، مع إصرارها في ذات الوقت على تبني الثوابت الفلسطينية، وموافقتها على العودة غير المشروطة للمفاوضات المباشرة يمكن تفسيرها بأنها تعتقد ان مهاودة أو مهادنة ترامب هي الخيار الوحيد المتبقي لها لحماية نفسها.
نتنياهو من جهته - وهو الذي يرفض أي حل سياسي يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية، ويعتقد ان الوقت لم يحن لمفاوضات جدية - هو الآخر يتبنى سياسة مهاودة واحتواء نزوة ترامب، طالما انه لا يترتب عليها أية التزامات قريبة، مراهنًا على عامل الزمن، وأن ترامب في النهاية سيجد كما سابقيه في البيت الأبيض انه ليس من المجدي له الاستثمار في التسوية، وربما يتطلع نتنياهو لاستخدام نفوذ ترامب على الدول العربية لتعزيز الانفتاح العربي على إسرائيل، دون أي التزام تجاه القضية الفلسطينية، وقد أكد ذلك عندما أشار في خطابه إلى أنه لأول مرة يشعر بأن "ثمة احتمال حقيقي للتغيير".
عباس ونتنياهو يعرفان ان كل هذا الطحن لن يخرج طحينًا، وكلاهما يشتريان المزيد من الوقت، كلٌ لأسبابه، فهما يهادنان ترامب ويتمترسان خلف مواقفهما.


التعليقات : 0