القدس المحتلة/ ياسمين مسودة
مقبرة باب الرحمة إحدى أشهر المقابر الإسلامية في القدس، وتقع تحديدًا عند السور الشرقي للمسجد الأقصى إذ تمتد من باب الأسباط وحتى نهاية سور المسجد الأقصى بالقرب من القصور الأموية في الجهة الجنوبية، وتبلغ مساحتها حوالي 23 دونمًا وتحوي العديد من قبور الصحابة وأبرزهم عبادة بن الصامت وشداد بن أوس، وتحوي قبوراً لمجاهدين اشتركوا في فتح القدس أثناء الفتحين العمري والأيوبي.
تعمل حكومة الاحتلال على تحويل جزء من المقبرة لحديقة توراتية ضمن مشروعها لتهويد المدينة، واخذت سلطات الاحتلال تهاجم بعد أشهر من الاستطلاعات من خلال بالونات الاستطلاع مقبرة الرحمة لتبدأ عملية القضم المخطط لها منذ زمن.
من ضمن الأهداف الصهيونية بعيدة المدى تجاه المقبرة التقسيم المكاني للمسجد الأقصى المبارك، فالشواهد المتواترة تدل على أن الجزء الشرقي من ساحة الأقصى هو المستهدف بمشروع التقسيم المكاني للأقصى، فالخرائط التي تداولتها أوساط حزب الليكود في عام 2013 أشارت بوضوح إلى محاولة انتزاع الساحة المقابلة لبابي الرحمة والتوبة لتصبح مكانًا دائمًا لصلاة اليهود مع إمكانية توسيعها في الأعياد والمناسبات، والمقتحمون الصهاينة يركزون اليوم على التوجه إلى شرق ساحة الأقصى فور دخولهم إليه من باب المغاربة، ليقضوا معظم وقتهم ويحاولوا ممارسة طقوسهم هناك قبل أن يغادروا، علاوة على تمسحهم بالردم المكدس فيها فوق المصاطب وبين الأشجار، والذي تمنع سلطات الاحتلال إخراجه من المسجد منذ فتح البوابات الكبيرة للمصلى المرواني عام 1999.
الشاهد الأحدث على هذا الاستهداف كان أعمال الحفر التي نفذتها سلطات الاحتلال خلال سيطرتها على المسجد الاقصى في هبة باب الأسباط، إذ حفرت الحجارة التي تسد بابي الرحمة والتوبة من الداخل حتى اخترقته من الخارج، وهذا يدل على استكشاف خيار فتح تلك البوابات بعد دراسة الحجارة التي تسدها ونوعها وتاريخها، على اعتبار أن باب الرحمة وشقيقه التوبة يدخلان إلى الأقصى من سور المدينة الشرقي مباشرة دون المرور بأي كثافة سكانية عربية، وهو ما لا يوفره أي باب آخر للمسجد، وتعزَّزَ هذا الاتجاه في الشهور التالية لهبة باب الأسباط بطلب مدعي عام الاحتلال إغلاق القاعات المسقوفة المطلة على باب الرحمة بادعائه أنها كانت مقرًا لجهة محظورة؛ هي لجنة التراث عام 2003.
مقبرة الرحمة هي المعلم الإسلامي المطل مباشرة على هذين البابين، وفتحهما كمدخل للمقتحمين اليهود لا يمكن أن يتم إلا بإزالة مقبرة باب الرحمة أو أجزاء منها، وعليه فلا يمكن أن يُقرأ العدوان على مقبرة باب الرحمة منفصلاً عن العدوان على المسجد الأقصى ومحاولة تقسيمه، وحماية مقبرة باب الرحمة متطلب أساسي للوقوف في وجه التقسيم المكاني للأقصى، فمقبرة الصحابة تقع اليوم في قلب المعركة على هوية المسجد الأقصى.
في هذه المعركة تأتي المشاريع التهويدية لمحيط الأقصى، وأبرز هذه مشروع التلفريك الذي سيصل جبل الزيتون بسلوان واقترح مخططه الأولي أن يمر من فوق مقبرة الرحمة، بينما اقترح مخطط القدس القديمة عام 2007 أن تكون محطته الرئيسية فوق مقبرتي الرحمة واليوسفية على جهتي باب الأسباط، واقترح أن تكون تلك المحطة مركز زوارٍ متكاملا من ثلاثة طوابق وبمساحة إجمالية تزيد عن 15,000 مترٍ مربع، وعدم طرحه مع مخطط التلفريك لا يعني إلغاءه، بل هو في الغالب تكتيك مرحلي لتمرير المخططات واحدًا تلو الآخر.
أيضًا من أهداف مهاجمة المقبرة محو ما يثبت الأقدمية التاريخية العربية والإسلامية، فعادة الناس أن تبني المقابر على أطراف المدن، ووجود مقبرة الرحمة واليوسفية والشهداء ومأمن الله على أطراف البلدة القديمة للقدس من جهاتها المختلفة يؤكد الهوية العربية والإسلامية في المدينة، فمن يسكن المدينة هو من يدفن موتاه فيها، ومحو قبور موتاه وإرثهم ضرورة لمحو هويته عن هذا المكان.
لا بد هنا من التنبه إلى أن مقبرة الرحمة مقابلة تمامًا للمقبرة اليهودية المختلقة على السفح الجنوبي الغربي لجبل الزيتون، وما يطمح إليه الاحتلال حتى في المقابر هي عملية إحلالٍ تام، أن تزال قبورنا وشواهد وجودنا التاريخي وتستحدث في جوارها وعلى أنقاضها مقابر وهمية وشواهد مزعومة لوجود يهودي، لمحاولة القول بأن اليهود المزعومين الذين سكنوا المدينة على مرّ التاريخ دفنوا موتاهم بجوارهم على سفح جبل الزيتون.
على المستوى قريب الأمد بدأ الاحتلال بمدافن عائلات سلوان في أقصى جنوب المقبرة لأن هدفه أن يوقف الدفن في المقبرة، وأن يغلق إمكانيته تمامًا أمام الناس، وأن يوقف تواصل جماهير القدس مع المقبرة بتسييجها بعوارض حديدية بشكل يجعل زيارتهم لقبور أحبائهم أمرًا صعبًا، ما يعزز عزلة المقبرة ويسهّل قضمها والقضاء عليها.
أمام هذا التشخيص لأهداف العدوان الصهيوني على مقبرة الرحمة تمهيدًا للتقسيم المكاني للأقصى، وتنفيذًا لمشاريع تهويد محيط البلدة القديمة ومحاولات محو الهوية العربية والإسلامية للمدينة، فإن حماية مقبرة باب الرحمة تمسي موضوعًا مركزيًا للمواجهة، عنصر النجاح الأول فيه هو إفشال عزل جماهير سلوان عن المقبرة، وهذه المسؤولية تقع اليوم على الجميع.


التعليقات : 0