عشية النكبة.. الكبار يحيون ذكراهم على حدود بلادهم

 عشية النكبة.. الكبار يحيون ذكراهم على حدود بلادهم
فلسطينيات

غزة/ دعاء الحطاب

أمام إحدى خيام العودة المنصوبة شرق حي الشجاعية، كانت الحاجة أم محمود عقل (93عاما) تجلس على كرسيها المتحرك، مُرتدية ثوبها المُطرز، ويلتف حولها أحفادها وأبناؤها، لتبدأ بسرد حكاية طفولتها التي عاشتها في قريتها الفلسطينية "بربرة" وسط أصوات رصاص الاحتلال والقنابل الغازية التي تخترق جموع المتظاهرين السلميين حولها.

 

ومع كل حكايةٍ تبدؤها «أم محمود»، تُحدق بنظرها نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي يتمركز بها جنود الاحتلال الإسرائيلي وينصبون قناصتهم على سواتر رملية، وعيونها ترنو لرؤية قريتها والشوق يراودها لدخولها وهي محررة.

 

سبعون عاماً مضت على النكبة الفلسطينية عام 1948م، وما زالت " أم محمود " تتشبث بحقها في العودة لوطنها المسلوب، كيف لا وقد ارتسم في تجاعيد وجهها حكايات أيامه الجميلة وبؤس الدمار الذي حل به على أيدي العصابات الصهيونية.

ومنذ انطلاق مسيرات العودة الكبرى في الثلاثين من مارس الماضي، حرص كبار السن على المشاركة فيها، فجهزت النساء أثوابها المزخرفة بخيوط الحرير الفلسطينية، بينما أمسك الرجال المسنون بمفاتيح ديارهم المُهجرة تمسكاً بحق العودة وأملاً بالوصول إليها.

 

أيام البلاد

 

" أم محمود " رغم تجاوزها التسعين من عمرها، وضعف ذاكرتها إلا أنها تأبي نسيان أيام بلادها وتفاصيل حياتها بمسقط رأسها، فتقول: " بلادنا مش ممكن ننساها بيوم، هيا عايشه فينا وإحنا عايشين فيها حتى لو أخذوها اليهود".

 

بعد لحظاتٍ من الصمت تخللتها ابتسامة حزينة، أضافت أم محمود لـ"الاستقلال":" أيام البلاد كانت حلوة كتير، الناس يتميزون بالطيبة والكرم والجود والعطاء ما حدا ببخل على حد، يحبون بعضهم ويتشاركون بكل كبيرة وصغيرة سواء بالأحزان أو الافراح، بيوتنا متواضعة مصنوعة من الطين والقش لكنها كبيرة بحبنا وترابطنا".

 

وتتابع:" قديماً كان مصدر زرقنا الوحيد هو العمل بالزراعة وتربية الدواجن والأغنام، فكان الجميع يتعاونون مع بعضهم في زراعة محاصيل الزيتون والعنب والمزروعات الموسمية، ومن ثم حصدها  ونقلها إلى أسواق يافا والمجدل"، مشيرة إلى أن أهالي بربرة كانوا ينقلون بضاعتهم على الجمال قبل أن يشتروا ثلاث شاحنات.

 

وبعيونٍ يغزوها الحنين لأيام الطفولة الجميلة، تحدثت عن مرحلة الدراسة:" كنا عندما نذهب للمدرسة نحمل حقيبة مصنوعة من القماش أو الأثواب البالية، ونأخذ مصروفنا قرش واحد نشتري بنصفة ونخبئ النصف الآخر، ونذهب سيراً على الأقدام، وهناك في المدرسة كنا نجلس على بساط أو حصير بشكل دائري وأمامنا المدرس يشرح الدروس".

 

لم تكن الأفراح في القرى والبلدان الفلسطينية تتوقف، فطوال سبعة أيام بلياليها كانت تتواصل الاحتفالات بزفاف أحد أبناء القرية، ومظاهر الكرم والجود تتحدث عن أهلها.

 

كثيرة هي الذكريات  الجميلة التي عاشتها " أم محمود" وأمثالها من المهجرين من قراهم، حيث لا يمكن كتابتها بأسطر قليلة لكنها تبقى راسخه في قلوبهم وعقولهم رغم ما عاشوه من ويلاتٍ وألام أثناء الهجرة.

 

ليلة التهجير

 

ولم تكن الحاجة أم محمود الوحيدة في مسيرات العودة الكبرى، فعلى الحدود الشرقية لمخيم البريج كان الحاج أبو أحمد حماد (85 عاما) من بلدة قطرة، يحاول الابتعاد عن خيام العودة والوصول إلى المتظاهرين السلميين القريبين من السياج الفاصل، ولسان حالة يردد " خانونا ويا ريتهم في الديار تركونا".

 

ويسرد حماد لـ"الاستقلال" حكاية تهجيرهم منذ اقتحام العصابات الصهيونية لقراهم ومدنهم إلى أن رحلوا لقطاع غزة: "كنا قاعدين بقطرة فجأة سمعنا أصوات مدافع وإطلاق الرصاص، خرجنا من البيوت وجدنا الدبابات واقفة على امتداد الطريق من المجدل إلى قطاع غزة تطلق نارها بشكل مكثف صوب البيوت والأشخاص، حينها حمل شباب القرية ورجالها أسلحتهم البسيطة وخرجوا للقتال الذي استمر عدة أشهر".

 

وبين حماد، أنه بعد يوم واحد من اقدام العصابات الاسرائيلية على ارتكاب مجزرة دير ياسين هاجم اليهود قريته واحاطوها بـ12دبابة من جميع الاتجاهات، فبقى مع الشباب في القرية يدافعون عنها، وبعد استخدام اليهود للأسلحة الرشاشة، أخرجوا النساء والأطفال على اسدود، دون أن يأخذوا شيئاً معهم سوى مفتاح الدار".

 

ويتابع:" بعد قتال عنيف استمر ليلة واحدة  لحقنا بالنساء والأطفال هربا من العصابات التي  دخلت هي والجيش للقرية، فأقدموا على تفتيش كافة البيوت  واحداً تلو الآخر و بعد ذلك تدميرها، واحراق عدد كبير من المحاصيل و سرقة المواشي والذهب والأموال التي كانت تقع بين أيديهم، فأهل القرية تركوا كل شيء خلفهم أملا بعودتهم خلال أيام قليلة".

 

وأضح أنه خلال أيام من تواجدهم بقرية أسدود ، تعرضت القرية  لهجوم قاس كما القرى الأخرى، اضطروا للهرب خوفا إلى قرية حمامة وبعدها للمجدل وبعدها لنعليا ثم هربيا مكثوا فيها أسبوعاً، وبقوا يتنقلون من قرية لأخرى، دون طعام أو شراب أو ملابس، وبعدها جاءوا لغزة، ومنها توجهوا للبريج وبعدها للنصيرات ليستقروا بها إلى الآن.

 

وقال :" خلال أيام تهجيرنا من قريتنا وتنقلنا من قرية لأخرى كما سكان القرى المجاورة، كان ذات الشعور نتبادله، شعور صعب للغاية ولا يوصف، إذ شعرنا بالتعب والارهاق ، فلم نتمكن من النوم ليالي طويلة ، من التفكير والخوف بمصيرنا ومصير عائلاتنا وأراضينا وقرانا، وذات الشعور باق إلى يومنا هذا".

 

وبين خلال استقرارهم بمخيم النصيرات أنهم تنقلوا فيها أكثر من مرة من بلوك لآخر حتى استقروا في نهاية المطاف ببلوك "2"  ، بنوا خلالها بيوت من الشعر كمأوى لهم ولعائلاتهم مكونة من أربع غرف، سكن فيها هو وأخواته وإخوته وزوجاتهم، بعدها جاء الحاكم العسكري الذي كان يتواجد بأسدود ، الذي أخذ يسجل ويحصى أعداد أفراد كل عائلة، ليعطونا كل 15يوماً مساعدة صغيرة من الغذاء.

 

وأكد حماد، أن جميع مشاهد النكبة نقشت في ذاكرته ومازال أثرها باقياً داخله، ولا يمكن شفاء أوجاعه الا بالعودة الى بلادهم المسلوبة، معبراً  عن حزنه الشديد لما حل ببلاده، فلا يجد سبيلاً أمامه سوى العيش على أمل العودة قريباً.  

التعليقات : 0

إضافة تعليق