غزة / محمود عمر
على وقع اختراق رصاص الاحتلال الإسرائيلي أجساد المتظاهرين الفلسطينيين على حدود غزة، وبكاء أمهات الشهداء الذين ارتقوا خلال "مليونية العودة"، كانت ايفانكا ترامب ابنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جانب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، يوزعان ابتساماتهما على الحاضرين في حفل افتتاح السفارة الأمريكية في القدس المحتلة، وسط صمت عربي مذل ومهين.
وقوبل نقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس المحتلة، بحالة من الغضب والتنديد المحلي والدولي، على المستويين الشعبي والرسمي، واندلعت مواجهات في قطاع غزة والقدس المحتلة والضفة الغربية وتظاهرات في مناطق مختلفة من العالم وسط تأكيدات بأن هذا الإجراء الأمريكي لن يلغي حق شعبنا الفلسطيني في القدس وسيسرع في سقوط وزوال الكيان الإسرائيلي.
واستشهد 62 متظاهراً من بينهم 7 أطفال وامرأة وأصيب نحو 2500 آخرين، باعتداءات قوات الاحتلال على "مليونية العودة" في قطاع غزة، التي خرجت لإحياء الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية وللاحتجاج على نقل السفارة الأمريكية.
واعتبرت فصائل وهيئات محلية "يوم المجزرة وافتتاح السفارة" يومًا مشؤوما في تاريخ فلسطين، داعيةً دول العالم وهيئاته الرسمية، للتصدي للخطوة الأمريكية باعتبارها تزيد من عمق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وقرّر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في السادس من كانون أول/ ديسمبر الماضي، الإعلان عن القدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ونقل سفارة بلاده إليها.
رغم غزارة الدماء في غزة وبشاعة الحدث في القدس، لم تتجاوز البيانات والتصريحات الصادرة عن الدول العربية حدود الشجب والإدانة والاستنكار، دون أن تجرؤ أي دولة عربية على طرد السفير الأمريكي المقيم لديها.
وبخلاف المواقف العربية الهزيلة، صدر العديد من المواقف الدولية المشرفة أبرزها طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة، واستدعاء إيرلندا وجنوب افريقيا سفيريهما من (تل أبيب)، في الوقت الذي استدعت فيه بلجيكا سفيرة "إسرائيل"، للاحتجاج على مجزرة غزة التي قام بها جيش الاحتلال الإسرائيلي.
صدارة القضايا
ويرى استاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية، د. وليد المدلل، أن بشاعة المجزرة الإسرائيلية بحق المتظاهرين في قطاع غزة، في الوقت الذي كانت فيه ابنة ترامب تفتتح السفارة الأمريكية في القدس، أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة القضايا العالمية الملحة.
وقال المدلل لـ"الاستقلال": "أظهر أحداث غزة والقدس، حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة بسبب الاحتلال الإسرائيلي، وانذرت باشتعال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى درجات غير مسبوقة بعد افتتاح السفارة الأمريكية في القدس، وبات العالم يدرك أن القضية الفلسطينية لا يمكن وضعها على الرف".
وأوضح أن التأييد الأمريكي الشامل لكافة المواقف الإسرائيلية، منح الاحتلال قوة كبيرة وغطاءً سياسياً للقيام بجريمته على حدود غزة، دون الاهتمام بردات الفعل الدولية إزاء قتل الفلسطينيين.
وبيّن المدلل أن العالم بات يدرك أن أمريكا و"إسرائيل" باتتا تتعاملان خارج إطار الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ككيانين منفصلين عن العالم، تمارسان جرائمهما في أي مكان في العالم دون النظر إلى حقوق الإنسان والقوانين الدولية.
عورة العالم
بدوره، يقول المحلل السياسي طلال عوكل، إن جريمة الاحتلال على حدود غزة، كشفت عورة العالم الديمقراطي الراعي للإنسانية، وأثبتت أن المبادئ والقيم الأخلاقية يتم تفصيلها وفقاً لمقاسات الدول الكبيرة لا الدول المنكوبة والمظلومة.
وأضاف عوكل لصحيفة "الاستقلال": "هذه مجزرة غير مسبوقة منذ حرب 2014، وهي جريمة مع سبق الإصرار والترصد ضد متظاهرين عزل وأمام مرأى ومسمع العالم كله".
وأوضح أن ما جرى على حدود غزة، من إصرار فلسطيني على التظاهر وتجمع عشرات الآلاف لإحياء ذكرى النكبة، شكل دليلاً واضحاً أمام الجميع أن الفلسطينيين متمسكون بحقوقهم وباستعادتها سواء كان ذلك بمقاومة مسلحة أو بأي شكل آخر.
ولفت عوكل النظر إلى أن الإدارة الأمريكية تتبنى المواقف والرؤى الإسرائيلية، ولم تكتف عند هذا الحد، بل ألقت خطاباً دينياً أمام جلسة مجلس الأمن مساء أول من أمس، يتبنى الرواية الدينية اليهودية حيال مدينة القدس دون الحديث عن حق المسلمين في هذه المدينة المقدسة. وبيّن أن الصمت العربي إزاء ما جرى في غزة أو حيال افتتاح السفارة الأمريكية، يعبر عن حالة الذل والخنوع وتبعية الأنظمة العربية للنظام الأمريكي المهيمن على العالم.
وقال المحلل السياسي: "لا يستطيع بل لا يملك أي نظام عربي القدرة على التصدي للإجراء الأمريكي، هي أنظمة تابعة وباقية ببقاء النظام الأمريكي، لذلك ليس من المنطق أن نأمل من الدول العربية أكثر من مجرد إدانات واستنكار لا يتجاوز الحبر الذي كتب به".
مواقف عربية ضعيفة
الموقف الإسلامي الوحيد الذي تضمن الإعلان عن اتخاذ إجراء، كان صادراً عن منظمة التعاون الإسلامي التي قالت إنها ستعتمد إجراءات اقتصادية وسياسية ضد الدول والجهات الفاعلة المؤيدة لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، من بينها حرمان الشركات وغيرها من الجهات الفاعلة التي تختار الاستفادة من النظام الاستعماري الإسرائيلي من ولوج أسواق منظمة التعاون الإسلامي.
ولكن المحلل السياسي عبد الستار قاسم، يرى أن هذه الإجراءات لن تكون رادعة لعدم اتساع تأثيرها سواء على الاحتلال أو الولايات المتحدة.
وقال قاسم متسائلاً خلال حديثه مع "الاستقلال": "ما حجم التجارة أو الصناعة التي يصدرها العالم الإسلامي إلى الخارج؟ وما مدى التزام الدول الإسلامية بقرار منظمة التعاون الإسلامي؟ اعتقد أن الإجابة هي في الهامش وليست مفيدة".
ورأى أن انتظار مواقف قوية من الدول العربية هو إضاعة للوقت، في ظل ارتباط مصالح بعض الدول العربية بمصالح الاحتلال وبالسياسات الأمريكية في المنطقة، مشيراً إلى أن العرب ليسوا رقماً مهماً يؤخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن أي قضية دولية.
وأضاف قاسم: "ما يتوجب فعله بالدرجة الأولى هو اتخاذ منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية إجراءات صارمة ضد أي شركة عربية تتعامل مع الاحتلال، وضد أي هيئة عربية رسمية أو أهلية تمارس التطبيع".


التعليقات : 0