مسيرات العودة ورسائلها

غزة.. "طائر النورس العائد" بعد سبعة عقود من عمر النكبة

غزة..
مقاومة

التحليل السياسي / ثابت العمور

كطائر النورس الذي اختاره الشهيد فتحي الشقاقي ليكون رمزا لصحيفة "الاستقلال" عادت غزة وهي التي لم تغب، عادت لتقود المشهد من جديد كما قادته في انتفاضة العام 1987 وقادته في هبة النفق العام 1996 وقادته في انتفاضة الأقصى العام 2000، غزة الأرض التي أجبرت شارون على الانسحاب من مغتصباتها، غزة اليوم مختلفة عما كانت عليه قبل سبعة عقود من عمر النكبة، إن استدعاء غزة اليوم ليست دعوة للجهوية إطلاقا ولا تغليباً لجغرافيا فلسطينية على حساب جغرافيا أخرى ولكنه قدر غزة أن تعود في كل مرة كطائر النورس.وقد عادت الاثنين الماضي موشحة بالدم الذي هزم السيف. وبالنصر، وبالانتصار الحق على الباطل.

 

مسيرة العودة الهبة الشعبية الجماهير السلمية كلها مصطلحات تختصر في كلمة الشعب هذا الشعب الذي ظن جهابذة السياسة والتخطيط في الكيان الإسرائيلي انه سيغرق في الانقسام وفي الحصار وفي تردي المعيشة وان ثلاث حروب ستردعه ستثنيه ستشغله، افشل وافسد كل الحسابات لم يلتفت للمعابر أو الكهرباء أو الراتب أو التفاصيل اليومية؛ هكذا عندما يتعلق الأمر بحق العودة بفلسطين بالاشتباك مع العدو تتراجع كل الأولويات وكل الحسابات، الحساب الوحيد الآن هو حساب الشعب وحسبته وهو ذاهب باتجاه استكمال حلقة من حلقات النضال نحن اقرب لانتفاضة رابعة انتفاضة ما بعد انتفاضة القدس وهي اقرب إلى ملحمة فلسطينية جديدة تدار الآن في قطاع غزة وستمتد وسيكون لها ما بعدها ولا زلنا في أول المشهد فقط.وما حدث يوم الاثنين مقدمة .

 

نجح الاحتلال الإسرائيلي قبل سبعة عقود في تهجير الفلسطينيين،  لكنه اليوم وعلى وقع مسيرة العودة ثبت انه لم ينجح في ثنيهم عن حقهم وفي حقهم بالمقاومة، استطاع الكيان أن يحتل الأرض لكنه لم يعد قادراً على الاحتفاظ بها، وهو اليوم يترقب ويستعد ويعد السيناريوهات في انتظار الانتفاض الفلسطيني المتوقع حدوثه في قطاع غزة بواسطة مسيرات العودة. ظن الاحتلال الإسرائيلي أنه أمن الجبهة الفلسطينية بإرعابها وطردها وتهويد أرضها وبالتسوية تارة والانسحاب تارة، لكنه يقف الآن أمام ملحمة فلسطينية جديدة وممتدة تقول بان حق العودة لا يسقط بالتقادم وان الوجود الفلسطيني مستمر وباق ومتوارث من جيل إلى جيل.

 

 "إسرائيل" التي ظنت أن نقل السفارة الأمريكية للقدس والتطبيع وتمرير صفقة القرن والالتفاف على الحقوق والثوابت الفلسطينية نصر لها تقف اليوم أمام مسيرات العودة وحشودها وتركيبتها وتنوعها، تقف أمام الشعب الفلسطيني الأعزل الذي يقاتل بيديه من اجل حقوقه، تخشى طائراته الورقة وحجارته، تخشى دخوله كسيل بشري جارف وهي التي تمتلك برنامجاً نووياً هو الأكبر والأخطر والأكثر عدداً في رؤوسه النووية في المنطقة.

 

 في ذكرى النكبة وبعد سبعين عاما لم تنجح "إسرائيل" في إنهاء الوجود الفلسطيني ولم تفلح في إنهاء القضية الفلسطينية ولم تفلح في تمرير روايتها لليهود بأنها بلاد السمن والعسل ولم يلتم شمل يهود الأرض كلهم في فلسطين كما كان تريد لان التكلفة مرتفعة ولأنه في مقابل النكبة هناك جبهة غزة وهناك جبهات الدهس وجبهات الطعن وجبهات التصدي في كل شبر من فلسطين. الخروج الشعبي لمسيرة العودة عكس كل التوقعات المبنية على المعطيات مسيرة العودة باختصار تجاوزت الانقسام والحصار والحسابات، خرج الناس كلهم حتى بدت غزة ومسيرتها الممتدة كلوحة فلسطينية واحدة، عبرت مسيرة العودة عن حالة وحدوية نضالية ملتحمة في ملحمة نضالية كاملة . وعكست حالة إبداع نضالي بأدوات متعددة بدأت بالخيام ذات الدلالة المرتبطة بحق العودة وانتقلت إلى إحراق الكاوشكوك كرسالة تصل مسيرة العودة بالانتفاضة الأولى التي كان ابرز معالمها إحراق الإطارات وإلقاء الحجارة حتى دخل مصطلح الانتفاضة كل اللغات، ونجحت في توثيق الإجرام الإسرائيلي وأحرجت الرواية الإسرائيلية وفاقت التغطية الإعلامية كل التوقعات حتى بات مصطلح مسيرة العودة الأكثر والأبرز تداول على كل المنصات، لم يكن الأمر مجرد مسيرة بدا كفعل يتنافى مع عقلية أن الحصار قد نال من الإبداع.

 

عبرت غزة من خلال اجتراح مسيرة العودة عن حالة تواصل ثوري ونضالي وجغرافي ووطني ووحدوي بين أجزاء الوطن، فلا يمكن فصل مسيرة العودة أو عزلها عن المقاومة الشعبية الممتدة والمستمرة في الضفة الغربية والقدس ومناطق 48، والتصدي للجدار العازل ونعلين ومسيراتها، مرورا بإفشال وضع البوابات الالكترونية في القدس، ووصولا لإضراب الأسرى عن الطعام كحالة نضالية عبر عنها الأسرى، وليس انتهاء بالتصدي والتحدي الذي أبدته عهد التميمي، هذه المظاهر كلها لا يمكن عزلها عن مسيرة العودة في قطاع غزة بل هي جزء يكملها وشكل نضالي ممتد لها.

 

غزة التي قالت التقارير الدولية أنها لن تعد صالحة للحياة مع العام 2020 تعود الآن وتتمرد وتقود مسيرة العودة تعيد القدس والثورة والقضية والثوابت للواجهة تتصدى وتتحدى. فلا يمكن رؤية غزة خارج حالة النضال والثورة والمقاومة والاشتباك مع الاحتلال، لن تتوقف حدود الفعل عند غزة فقط، ولا يمكن اختصار المشهد في غزة فقط، فواحدة من المهام المنوطة بغزة ومسيرتها نقل المعركة والمواجهة إلى الضفة والى كل مناطق فلسطين .

 

نجحت مسيرة العودة في إعادة القضية الفلسطينية لتكون في الصدارة وأعادت إليها حضورها في الشارع العربي في تونس والمغرب ولبنان واليمن، وفي العالم عاد حضور العلم الفلسطيني في تركيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وفي المنظمات الدولية أعلنت 14 دولة عضواً في مجلس الأمن تضامنها مع فلسطين، وفي الجزء الآخر قدمت برهانا على حجم التماهي الأمريكي مع العدو الصهيوني ، ان رسائل وتبعات مسيرة العودة الأولية أسلفناها لكن بعض الرسائل لم تتبلور بعد ولم تتشكل تبعاتها بعد وستثبت الايام القادمة ما الذي انجزته مسيرة العودة فهذا الفعل النضالي الثوري نتائجه تراكمية وليست لحظية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق