غزة/ دعاء الحطاب
قبل عام وبتاريخ 14مايو تحديداً، غنت طيور قلبة فرحاً وتفتحت أزهار الربيع في حياته، بمجرد أن أشرقت شمس مولوده الوحيد «عبد الله»، فبدا الكون أجمل في عيونه، يُفرق الحلوى وضحكاته تعلو أرجاء الحي ولسانه يردد «صرت بابا»، كيف لا وحلمة بالأبوة تحقق بعد انتظارٍ دام تسعة أعوام، لكن الشهيد «شاهر المدهون» لم يكن يعلم أن هذا اليوم سيحمل علامة فارقة في حياته وبعد رحيله.
ففي الذكرى الاولي لميلاد» عبد الله»، أراد والده شاهر أن تكون ذكراه مميزة مليئةً بالمفاجآت، فاصطحب جميع أفراد عائلته للمشاركة في مليونيه العودة على الحدود الشرقية للقطاع لعله يُرسخ في عقولهم عنجهية الاحتلال الذي سلب منه والده بصغره، وأثناء تواجده بمخيمات العودة كان يتابع عبر هاتفه النقال التجهيزات الأخيرة لمفاجأة عيد الميلاد مع أحد أصحاب محلات بيع الحلوى.
وبعد أن انتهى شاهر من اتصالاته، وقف بجوار أخيه يُحدثه عن مفاجأة ينوي إعلانها بعد أذان المغرب، وقبل أن ينطُق باسمها، اخترق قلبه رصاصة قناص إسرائيلي، ليرتقي أثرها شهيداً ويُشعل شمعه طفله الثانية بالجنة.
دفنت الفرحة
بقلبٍ يعكس انكساره على ضعف صوته، يقول شرف المدهون الشقيق الوحيد للشهيد: " شاهر كان بتمنى يكون أب لمدة تسع سنوات حُرم خلالها من الأبناء، وما ترك طبيب الا دق بابه وقام بإجراء ثلاث عمليات زراعة، حتي رزق بطفله عبد لله".
ويتابع المدهون لـ"الاستقلال"، بابتسامة خافتة :" يوم ميلاد عبد الله كان فرحان كتير ويقول " لما أحمل عبد الله بين يديا بكون ملكت الدنيا"، كان ينتظر ميلاده على أحر من الجمر، وعندما احتضنه بكى بشدة من الفرح"، مشيراً إلى أن عبد الله عندما كبر، كان يرافق والده أغلب الأوقات، حتى شاركه في زياراته لمخيمات العودة منذ انطلاق المسيرات في الثلاثين من مارس الماضي.
وأضاف بحسرة وألم: " شاهر كان بحضر مفاجأة كبيرة لأبنه بعيد ميلاده الأول، لكن الاحتلال سلب روحه وحول فرحتنا بعيد الميلاد لحزن وألم سنذكره بكل لحظة".
وأردف: " عبد الله افتقد والده في أول ليلة رغم صغر سنه، فبدأ يدور البيت باحثاً عن والده الذي لم يعتد غيابه"، مشيراً إلى أن المشهد بات يتكرر الآن فالشهيد شاهر يُتِّمَ من والده وهو صغير، واليوم صغيره يعيش نفس الحكاية بتفاصيل رحيل والده .
موعد مع الشهادة
اعتاد شاهر منذ سنوات على المشاركة في المسيرات السلمية الرافضة للاحتلال الإسرائيلي والمنددة بجرائمه المتزايدة يوماً بعد يوم بحق أبناء الشعب الفلسطيني، ومنذ انطلاق مسيرة العودة الكبرى لم يتغيب عن المشاركة بفعالياتها برفقة كافة أفراد عائلته، لعل ذلك يكون طريقاً للعودة لأرضه " المجدل" والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 كافة، حسب ما يقول شقيقه.
وأضاف المدهون:" شاهر شارك بالمسيرة كأي لاجئ متمسك بحقه في العودة الى بلاده التي هجرت عائلته منها بالغصب، كان نفسه يرجع على بلاده ويعيش بخيرها، لذا كان يٌصر على المشاركة بفاعلياتها برفقة كافة افراد العائلة".
وبغصة تعترض صوته، يروي تفاصيل اليوم الأخير بحياة الشهيد:" يوم الاثنين الماضي، صلينا الظهر وانطلقنا الى مخيمات العودة برفقة ابنائنا وزوجاتنا، وجلسنا بإحدى الخيام البعيدة عن السياج الفاصل، ووضعنا الطعام فتبين أنه صائم ولم يُشاركنا حتى بلقمة واحدة".
ويكمل حديثه:" كان شاهر مشغولا بإجراء اتصالات هاتفيه، فابتعد عني ما يُقارب 10 أمتار وبمجرد التفاتي اليه وجدته على الأرض يغرق بدمائه، ركضنا بسرعة تجاهه وجاء الأطباء لإجراء الإسعافات الأولية له، لكن هذا لم يفلح في إنقاذ حياته بسبب الرصاصة المتفجرة التي اخترقت الجانب الأيمن من الرئة وخرجت شظاياها من الجانب الأيسر، وتسببت بنزيف داخلي".
دقائقٍ معدودة، اختصرت المشهد وأشعلت نيران الحرقة والفراق في قلوب ذويه للأبد، ليبقى سُؤالٌ واحد يجتاح عقولهم: " هل هذه هي المفاجأة التي وعدنا بها شاهر يوم ميلاد نجله؟"، كذلك بات استشهاده ذكرى أليمة بالنسبة لابنه عبد الله، سيحييها في كل عام لطالما ارتبطت ولادته بفقدان والده، سيحييها في كل مرة يحتفل فيها بيوم ميلاده.
وعلى الرغم من حالة الحزن إلا أن الفخر والاعتزاز فرض حضوره، فيقول المدهون :" شاهر كان ملتزماً دينياً وأخلاقياً واجتماعيا حيث كان نموذجاً للشاب المحبوب بين أصدقائه وعائلته ولم يخف في الحق لومة لائم ،كان يحلم بالشهادة لينالها صائماً مصلياً ،سائلين الله أن يقدرنا لننشئ ابنه عبدالله ليكون نسخة من والده في أخلاقه والتزامه".
وألقى ذوو الشهيد نظرة الوداع عليه، في أجواء طغت عليها حالة الحزن والغضب على فراقه، ليمضي موكب التشييع إلى مواراة جثمانه الثرى بمقبرة الشيخ رضوان، وسط هتافات غاضبة، تؤكد مواصلة مسيرة العودة، وتندد بجرائم الاحتلال الاسرائيلي.


التعليقات : 0