غزة/ دعاء الحطاب
قبل أن يقول القدر كلمته الأخيرة، عاد الشهيد حازم فرحان الى المنزل ببدلته العسكرية وعيناه تقدحان غضباً ووعيداً لجنود الاحتلال الذين يتفننون في سلب حقوق أبناء الشعب الفلسطيني، قَبل رأس أمه وجلس بجورها يُحدثها عن قهرٍ سكن قلبه خاصة مع قرب نقل السفارة الامريكية للقدس، وبعد صمتٍ طويل قال: « يما مش عارف أنام، بدي أطلع لو رجعت شهيد ما تحزني»، لم ترد الأم أن يكون رحيل فلذة كبدها قريباً فحولت حديثه الى الحديث عن انتظار طفليه له بعد غيابه ليلة كامله عنهما.
لم يستطع فرحان تجاهل ما قالته والدته، فتوجه لطفلية وأمضى وقتاً طويلاً بمداعبتها، وأخذ يحتضنهما بكل حب ويمعن النظر اليهما وكأنه مودع، وما هي الا دقائق حتى انتفض من مكانه وخرج بسرعة دون أن يلتفت لنداء أحدٍ من عائلته، متوجهاً صوب مخيمات العودة على الحدود الشرقية لقطاع غزة.
وبمجرد وصولة الحدود، انضم لعشرات الشبان الذين غلت في عروقهم الدماء، فتحولوا الى بركان هائج لا يمكن إخماده، فمحور الشر أمريكا تستفز مشاعرهم و تضرب بحقوقهم عرض الحائط، وهي تعلن القدس عاصمة للاحتلال وتنقل سفارتها فيها، وكأنها تقول: " ها نحن قد جئنا على أعينكم ومنحنا قدسكم الحبية للصهاينة رغم أنوفكم".
وبعد ثوان قليله بدأ جنود الاحتلال المتمركزون خلف التلال الرملية على طول الشريط الحدودي، بتصويب فوهات بنادقهم تجاه المتظاهرين السلميين دون أن يُشكلوا خطراً عليهم، فكان الشهيد فرحان أحد ضحاياها اذ اخترقت جسده رصاصة اسقطته شهيداً على الفور.
وارتقى فرحان (30عاما) أحد مجاهدي سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجاهد الإسلامي، شهيداً الاثنين الماضي متأثراً بجراحة إثر إصابته برصاص الاحتلال الإسرائيلي في رأسه، شرق مدينة خانيونس، أثناء مشاركته في مليونية العودة.
صدمة الاستشهاد
لا تسعف الدموع المنهمرة من عيون والدة الشهيد فرحان في إخماد نار قلبها التي اشتعلت بعد أن قنص جندي إسرائيلي "فلذة كبدها" برصاصة في صدره وقتله على الفور.
وبصوتٍ مرتجف بالكاد يخرج بعبارة " الحمد الله"، تقول والدة الشهيد:" ليلة الاثنين عبيدة روح من الرباط الساعة 6 الصبح، كان تعبان كتير ومقهور على وضع البلد، قعد جنبي وصار يحكي للي بقلبه ويقول بدو يستشهد، غيرت الموضوع وحكتله أولادك مشتاقين الك روح شوفهم".
وتتابع الأم الحزينة على فراق نجلها، خلال حديثها لـ"الاستقلال":" قعد يلاعب أولاده ويحضنهم ويضحك لكن ضحكته ما كانت من قلبه، فجأة انعكس وقال بدي اطلع صرنا ننادي عليه ما رد، كنت حاسة انه طالع على مسيرة العودة". مشيرةً إلى أن نجلها منذ انطلاق 30 مارس/ آذار كان يشارك في فعالياتها بشكل يومي شرق خانيونس برفقة أصدقائه.
الوالدة المكلومة تلقت خبر استشهاد نجلها بصعوبة في البداية، فنجلها المدلل لم يغب عن عينيها أكثر من ساعه، حتي عاد محمولاً على أكتاف أهله ورفاقه، لكنها لم تتفاجأ به، كون نجلها كان لحوحاً في طلب الشهادة ودائم الحديث عن الشهداء وكراماتهم.
وبحزنٍ ارتسم على تجاعيد وجهها، أضافت: " بعد خروج عبيدة شعرت بالخوف عليه لكن ما توقعت انه يرجع شهيد، غاب عني بس ساعة وحده، راح بسرعة لقدره"، مستطردةً :"طلب الشهادة ونالها، وربنا يجعله في الفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين والشهداء".
في صفوف الجهاد
تعلق قلب الشهيد فرحان منذ صغره بحب الجهاد والمقاومة والمجاهدين، وكان دائماً ينظر ويشاهد بطولات المجاهدين وعملياتهم ضد العدو الصهيوني، فقرر الانضمام إلى صفوف المقاومة وخيار الانتماء الى الجهاد الإسلامي، شارك في كافة فعاليات ونشاطات الحركة، وكان عنصراً فعالأً في محافظة خانيونس، حتى انضم للصفوف سرايا القدس.
وقالت والدة الشهيد: " عبيدة كان دائما يتحمل مسؤولياته تجاه العائلة رغم انشغاله بالمقاومة، فقد كان طيب القلب وحنوناً على اخوانه و بمثابة الصديق لنا، والجميع معجب بشخصيته المتواضعة، وكان يحب الجلوس معنا كل يوم خلال أوقات فراغه، وكان دوماً يقول بأن أهلي وعائلتي أغلى شيء عندي ولا يوجد أغلى منهم سوى حبي لله ولرسوله والمجاهدين".
نظرة الوداع
بعد أن وُوري جثمان الشهيد عبيدة الثرى لم يبق للوالدة المكلومة سوى ذكريات تخنقها حينًا وتخفف عنها ألم الفراق أحيانًا أخرى، فهو الذي كان يملأ البيت عليها سعادة وفرحاً ويُشعرها بالحياة. كما تقول
وألقى ذوو الشهيد نظرة الوداع عليه، في أجواء طغت عليها حالة الحزن والغضب على فراقه، ليمضي موكب التشييع إلى مواراة جثمانه الثرى بمقبرة الشهداء شرق مدينة خانيونس ، وسط هتافات غاضبة، تؤكد مواصلة مسيرة العودة، وتندد بجرائم الاحتلال الاسرائيلي.
وبصيحات الغضب والتنديد بجرائم الاحتلال انطلق موكب الشهيد الذي شارك فيه العشرات من أبناء مدينة خانيونس من المستشفى، وصولاً إلى منزله المتواضع لإلقاء نظرة الواع عليه .
وفي حضرة وداع الشهيد كانت مشاعر الفخر والصبر تزين ملامح والدة الشهيد وذويه أكثر من ألم الفراق والحزن لرحيله، وقالت والدته بعد أن طبعت القبلة الأخيرة على جبين نجلها :" انا فخورة فيك وان شاء الله راح نكون كلنا شهداء مثلك"، ومضى موكب التشييع إلى مواراة جثمانه الثرى بمقبرة الشهداء.


التعليقات : 0