مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/ إسماعيل مهرة
وكأن مهمة الدماء أن تعيد تلوين المشهد بقوة حضور الأحمر القاني لتستطيع العيون رؤيته أو تضطر لرؤيته، فتنشغل به خوفًا أو استدراكًا أو انفعالًا أو استثمارًا، فتنشأ - كما دومًا - فرص ما بعد الدماء، وفود وحراكات وبالونات اختبار وفرقعات وسيناريوهات، ولجة وهمروجة وناس جاية وناس رايحة، حتى لو كان التلفون هو فقط وسيلة المواصلات، حتى وصل الحديث إلى «خطة مارشال» وقوات دولية، ولا زلنا في بداية الحراك، حراك الجعجعة، على أمل هذه المرة أن نرى طحنًا، وألا ينتهي هذا التفاؤل كما تبخرت تفاؤلات سابقة، وألا يضعنا على حافة تدهور كبير. ويبدو ان أمر هذه الحراكات في هذه المرحلة - التي تستهدف نزع فتيل الانفجار والتخفيف عن الحالة الانسانية في القطاع - يتسم بمستوى كبير من الجدية، على الأقل على مستوى الأفكار وعلى مستوى الاستعداد لإجراء نقاش جدي بشأن الأوضاع في القطاع، لا سيما من قبل المستوى السياسي الإسرائيلي.
دماء غزة التي خضبت سهولها الشرقية، فضلًا عن أنها أعادت الاعتبار لحق العودة وأظهرت حجم الرفض للصفقات المتداولة؛ فقد نجحت بشكل كبير في فرض واقع القطاع وإيصال صوته إلى دوائر صنع القرار الإقليمي والدولي، وباتت معضلة القطاع على أولويات جدول أعمالهم، ولكن هذا الأمر بحد ذاته ليس كفيلًا بتقديم حلول ناجزة، فانشغال هذه الدوائر والدول والجهات بمعضلة القطاع قد يستمر لأيام أو لأسابيع، وقد يرتبط ببارومتر حرارة المواجهات واحتمالات انزلاقاتها، وفي النهاية؛ وحتى تؤتي هذه الحراكات بعض أكلها لابدّ من توفير عوامل وحوامل لترجمة النوايا والخطط، ومنحها الظروف الملائمة ودفعها وتشجيعها وتذكيرها بقابلية الانفجار والانزلاق، وأن معادلة الهدوء واستمرار الحصار لم تعد ممكنة.
وحتى لا نقع ضحايا للإفراط في التفاؤل ورؤية ما وراء بعض هذه الحراكات وسياقاتها، لابدّ من الوقوف على حقيقة الموقف الأمريكي والإسرائيلي، على اعتبار ان إسرائيل وأمريكا هما اللاعبان الأساسيان.
يسود في إسرائيل شعور بالانتصار على مسيرات العودة، فبالنسبة لهم بعد كل هذا القتل الذي انتهي بمجزرة كبرى دون أن تُجتاز الحدود أو يصاب أيّ من الجنود، والثمن الوحيد هو بعض الضجة السياسية والإعلامية التي ستخبو بعد أيام وسحب سفيريْ تركيا وجنوب افريقيا، وأن فصائل المقاومة في القطاع فقدت خيارًا مهمًا، وهي لا تملك المزيد من الخيارات في ظل أنها تخشى ولا ترغب في خيار المواجهة الكبرى، ويشخصون في إسرائيل حالة حركة حماس بالمأزومة بعد ان فشلت جهود المصالحة وزيادة الضغط الداخلي عليها، نتيجة تفاقم أوضاع السكان المعيشية والاجتماعية، وتدهور البنية التحتية وزيادة نسبة الفقر والبطالة، وفشلها في تحقيق صورة نصر لمسيرات العودة، ومحاصرة من الخارج وبدون خطة ثالثة بعد ان فقدت الخطة الثانية، ممّا يجعلها في أسوأ ظروفها؛ وهنا تأتي المطالبات الإسرائيلية من الكتّاب والجنرالات والسياسيين للمستوى السياسي المتمثل بليبرمان ونتنياهو ان استغلوا الفرصة واستثمروها، للتحرر من أعباء المسؤولية الأخلاقية والسياسية، ولوقف احتمالات التدهور لحرب جديدة.
في السابق، نجح نتنياهو وليبرمان في صد أيّ نقاش حول قطاع غزة، بما في ذلك منع الكابينت من إجراء أي نقاش حقيقي رغم وجود أغلبية في الكابينت لصالح مناقشة حلول جدية لتخفيف الأزمة الإنسانية، اليوم يبدو ان نتنياهو وليبرمان يظهران ميلًا للانفتاح على نقاش قضايا القطاع مع جهات دولية وإقليمية، وذلك بعد أن بدأت أمريكا - وعبر غرينبلات - بحراك دولي وإقليمي يستهدف البحث عن السبل والآليات للتغلب على الأزمة الانسانية في القطاع. مع ذلك، فإن إسرائيل لم تغير حتى الآن من خطوطها الحمراء واشتراطاتها، وهي تدفع الآن كما كانت في السابق بأن يتولى العرب أمر تحمل المسؤولية الإنسانية تجاه القطاع بعيدًا عن إسرائيل، وفي نفس الوقت دون أن تسمح لهم بالتحرر من الفيتو والمصالح الإسرائيلية الأمنية والسياسية في القطاع.
أمريكا من جهتها ترى في القطاع بوضعه الحالي معضلة كبيرة قابلة للانفجار، وقادرة على التشويش على سياقات وأجواء السياسات الأمريكية، وأنه لابدّ من تخفيف التوتر وتعزيز إقامة بنية سياسية في القطاع تعزز استقراره، وتشكّل عنوانًا للاستثمار والتعاون، لكن هذا القطاع بالنسبة لغرينبلات محكوم بحركة حماس التي يصنفها بأنها حركة «إرهابية»، وأن مستقبل القطاع يجب أن يرتبط بالنظام السياسي الفلسطيني، بمعنى أن أي حراك في القطاع يجب أن يعزز كونه مستقبلًا جزءًا من الدولة الفلسطينية وليس إقليما مستقلًا، والمعضلة تتعقد اكثر ان غرينبلات نفسه - الذي طالب مصر بتقديم تسهيلات للقطاع، وأدار مؤتمرات للبحث في سبل تقديم المساعدات للقطاع بعيدًا عن حركة حماس، والذي يقود الآن حراكًا على المستوى الإقليمي - لا زال يعتقد بضرورة استبعاد حركة حماس من المشهد واستثنائها من هذا الحراك، والبديل بالنسبة له هو في عودة السلطة إلى القطاع عبر إنجاح جهود الرعاية المصرية للمصالحة.
وأخيرًا، فإن الكثير من الأجندات الدولية والإقليمية تتوحد الآن على أولوية واحدة بالنسبة للفلسطينيين، وهي تقديم إسعاف أولي للحالة الإنسانية المتفاقمة في القطاع، لكنها تختلف على الكيفية والآلية والعناوين، وتختلف أيضًا في توظيف ذلك في سياقات متباينة ومختلفة، فدوافعها مختلفة وسياقاتها متباينة، ويظهر غرينبلات بمساعدة مردخاي كمايسترو هذا الحراك الكبير والمهم، وهو حراك ينطوي على الكثير من التعقيد والغموض وتغيب الثقة عن مخرجاته؛ الأمر الذي يحتم علينا أن نلتزم بالكثير من الحذر والشك وعدم الإفراط في التفاؤل، والمحافظة على ديمومة الفعل في الميدان وإرسال رسائل القوة والترحيب بكل ما من شأنه تخفيف الأزمة، والتأكيد على أهمية إحداث اختراق في جدار المصالحة، فهي الكفيلة بأن تشكل حاملًا ورافعًا لحماية مشروعنا الوطني ورفع الظلم والقهر والحصار عن القطاع.


التعليقات : 0