غزة/ دعاء الحطاب
صبيحة الاثنين، الرابع عشر من أيار الجاري، الساعة تشير إلى الثامنة صباحاً، والأم ريم أبو عرمانه وحدها تشق سكون النيام بصوت حذائها يمشي متثاقلاً نحو باب المنزل، شيء ما همس بداخلها أن تُغلق الباب وتمنع نجلتها الصغرى "وصال الشيخ خليل" من الخروج اليوم تحديداً.
الأم ريم ، قالتها بنبرة المندهش حين رأت طفلتها تتسلل على أطراف قدميها محاولة الوصول الى الباب للخروج كعادتها كل صباح للمشاركة بمسيرات العودة على الحدود الشرقية، "وين رايحة في هذه الساعة المبكرة؟ "سألتها بينما كانت تتقدم صوبها، أما هي فكانت كمن يُسابق إيقاع الوقت حتى تخرج، وأجابت على عجل: "بدي أروح على مخيم العودة بدري اليوم".
نظرت اليها والدتها بصمت، فقد كانت هذه أول مرة تشعر بأن طفلتها التي رافقتها طوال خمسة عشر عاماً ستخرج بدون عودة على واقع كلماتها الأخيرة عن أمنيتها بالشهادة، حتى كسر الصمت صياح " وصال" راجيةً أمها السماح لها بالذهاب خاصة أنها كانت تنتظر هذا اليوم، بشغف، منذ انطلاق المسيرات في نهاية مارس/آذار الماضي.
وبعد نصف ساعة، لم يستطع قلب الأم التحجر أكثر أمام دموع نجلتها المدللة، فابتلعت ريقها وبدأت تمسح على رأس " وصال" ولسانها يردد " خلص يا حبيبتي راح أخليكي تطلعي، بس ديري بالك على حالك وما طولي بالرجوع بستناكي"، قابلتها بابتسامة عميقة وقبلت رأس والدتها وانطلقت نحو طريقها.
واستشهدت وصال الشيخ خليل (15 عاما) ، صباح يوم الاثنين الماضي، اثر رصاصة إسرائيلية أصابت رأسها أثناء مشاركتها في " مليونيه العودة" على الحدود الشرقية لمخيم المغازي.
فاجعة الاستشهاد
ومع خروج وصال من المنزل، انشق قلب الأم المكلومة نصفين، وبدأ الخوف يُشعل النيران بجوارحها، كيف لا وهي التي سمعت من ابنتها بالأمس حديثاً ردم كل أحلامها التي زخرفتها ليلة بليلة من أجل أن تراها عروساً تُقبل جبينها في صورةٍ مؤطرة تضعها قرب السرير.
فما هي الا لحظاتٍ قليلة، حتى سمعت صراخ وبكاء نجلها " محمد " يعلو بالأرجاء" يما وصال استشهدت، أخذوها الإسعاف، ما خلوني اروح معها"، ليردد لسانها على الفور " إنا لله وانا إليه راجعون"، مُهرولة صوب المستشفى، وبدون وعي بدأت تسأل الأطباء والممرضين عن فتاة مصابة اسمها "وصال".
وتقول الأم المكلومة، وهي تخبئ بحسرة الحسرة دمعها:" استشهاد وصال كان فاجعه إلنا، لكن الله صبرني وربط على قلبي، وطلعت أجري على المستشفى أدور بكل الأقسام لكن ما لاقيتها، حتى صادفت صحفية وأخبرتني بأن داخل ثلاجات الموتى توجد شهيدة مجهولة الهوية".
بسرعة كالبرق انطلقت الوالدة المغلوبة على أمرها لرؤية فلذة كبدها، وعندما دخلت غرفة " الموتى" كانت وصال ممددة داخل احدى الثلاجات وجهها مغطي، تقدمت نحوها ببطء وكشفت الغطاء ونظرت إلى وجهها البريء المبتسم، حضنتها بقوة وبكت بحرقة، تركها من حولها للحظات، لكنها لم تستطع تركها وحيدةً، فنزعوها من بين يديها واصطحبوها معهم فجرت تردد :" كنت بستنا ترجع بسرعة، بس ما كنت بدي ترجع جثة".
وتتابع الأم وهي تحاول انتشال ذلك المشهد من تحت ركام الذاكرة:" قلت لها ما تطلعي يما اليوم، ردت بصوت عال " يما حرام عليكي هاد آخر يوم أطلع فيه".
العشاء الأخير
رحلت " وصال" لكنها تركت بقلوب أحبتها كلماتٍ يصدح صداها بكل لحظه، فقبل يومٍ واحد من استشهادها وعند تناول طعام العشاء تحديداً، مازحت شقيقاتها الثلاث قائلة: " احمدوا الله اني بأكل معكم، يمكن هذه أخر مرة أكل فيها معكم"، فردت إحداهن عليها " أوعي يا وصال تتصاوبي وتقعدي عالة طول عمرك"، ففاق ردها عُمرها وقالت:" لا أنا ما بدي إصابة، بدي طلق واحد براسي واستشهد".
وأضافت الوالدة وعلامات الحزن تنام تحت جفونها:" ما اهتمينا لكلام وصال واعتبرناها مجرد مزحة وانتهت، ما كنت بعرف أنه مزحتها ستكون حقيقة مؤلمة".
وأوضحت أن "وصال"، كانت تتمنى أن ينجح الفلسطينيون وهي برفقتهم، في تخطّي السياج الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتّلة عام 1948 ، في خطوةٍ أولى للعودة إلى بلدة عائلتها الأصلية "السوافير"، التي هُجّر أجدادها منها، لذا لم تغب يوماً عن المشاركة في مسيرات العودة، حيث كانت تعتبرها "واجباً وطنياً وفرض عليها".
" أمي يا جنة"
ولعل " وصال" لم ترغب بالرحيل عن أمها دون أن تودعها بطريقةٍ مميزة تغرس ذكرها في قلبها طول حياتها، ففي ليلة استشهادها أصرت على غناء أنشودة " أمي يا جنة" كانت قد كتبها لها منذ أيام كهدية ليوم ميلادها الذي يُصادف نهاية 30مايو الجاري، وكأنها تخشى ألا تتمكن من حضور حفل " عيد ميلاد" أمها في الوقت المحدد.
وقالت الوالدة والدموع تملأ عينيها:" وصال كانت منذ فتره تسهر وطول الوقت تكتب، فاستغرب منها وفي مرة سالتها عما تكتب فأجابت " بألف الك أنشودة عشان عيد ميلادك"، ورفضت أن تقرأها لأحد قبل ذكرى ميلادي".
وتتابع: " قبل استشهادها بيوم أصرت تغنيها وألقتها باللهجة الفلسطينية، شعرت بسعادة كبيرة، حينها قالت: " يما غنيتها اليوم عشان لو استشهدت تضل ذكرى"، فغضبت منها وجعلتها تغير الحديث"، مؤكدة أن الانشودة التي تركتها " وصال" أثمن هدية حصلت عليها طوال حياتها، وأكثرها تأثيراً بمشاعرها.
وألقى ذوو الشهيدة نظرة الوداع عليها، في أجواء طغت عليها حالة الحزن والألم لفراقها، ليمضي موكب التشييع إلى مواراة جثمانها الثرى بمقبرة الشهداء بمخيم المغازي ، وسط هتافات غاضبة، تؤكد مواصلة مسيرة العودة.


التعليقات : 0