قاوم الاحتلال بنصف جسد

الشهيد أبو صلاح: ترجل بطلاً وحلق شهيداً

الشهيد أبو صلاح: ترجل بطلاً وحلق شهيداً
مقاومة

غزة/ دعاء الحطاب

لم تمنع حرارة الشمس الحارقة ظهيرة يوم الرابع عشر من مايو الجاري، المقعد فادي أبو صلاح من الخروج للمشاركة في مليونية العودة على الحدود الشرقية لمدينة خانيونس، صادحاً بصوت أبناء شعبه المُهجرين قسراً من أراضيهم المحتلة عام 48 والقابعين تحت براثين الحصار «الأرض لنا، والعودة حقنا»، على أمل أن يشكل تواجده هو وعشرات الغزيين حصناً رادعاً أمام المخططات الصهيونية الرامية لتنفيذ صفقة القرن.

 

وبمجرد وصوله الحدود، توشح أبو صلاح بعلم بلاده وأخذ يبث الهمة فيمن حوله، ويشق طريقه وسط الجماهير ليتقدم الصفوف الاولى بإرادة وتحدٍ دافعاً عجلات كرسيه المتحرك ونظره صوب جنود الاحتلال الإسرائيلي المنتشرين خلف الكثبان الرملية وراء السياج الفاصل، حتى حمل مقلاعه وبدأ برشق الحجارة على الجنود بكل ما أوتي من قوة بنصف جسد.

 

لم يتحمل جيش الاحتلال قوة وعزيمة أبو صلاح، الذي بترت قدماه في عام 2008 جراء اصابته بصاروخ طائرة إسرائيلية، فقرر سرقة روحه عندما أطلق جندي حاقد صوبه رصاصة حاقدة تمركزت في قلبه، ليرتقي شهيداً وهو يدافع عن ثرى وطنه فلسطين، دون أن تدرك اسرائيل أن هذه الروح ستبقي وقوداً يشتغل بقلوب الشباب الثائر.

 

واستشهد أبو صلاح "30 عاماً" أحد مجاهدي سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، في الرابع عشر من مايو/ أيار الجاري برصاص قوات الاحتلال خلال مشاركته بمسيرات العودة شرق مدينة خانيونس جنوب القطاع.  

 

صدمة الاستشهاد

 

14مايو/أيار عام 2018، لم يكن يوماً عادياً في حياة والدة الشهيد أبو صلاح، فقد تجدد ألمها ونزف قلبها على فلذة كبدها "فادي" الذي رحل في ذات اليوم الذي بٌترت به قدماه قبل 10سنوات.

 

وبصوتٍ يغلب عليه الضعف بالكاد يخرج بعبارة " الحمد الله"، تقول والدة الشهيد:" خبر استشهاد فادي كان بمثابة صدمتين إلنا، الاولى ذكري اصابته وبتر قدميه والأخيرة رحيله، حتي اليوم لا أصدق أنه رحل، وانتظر في كل لحظة أن يفتح الباب ويسلم علي وهو يضحك مثل عادته".

 

إعاقة " فادي" لم تقتل حبه للحياة والتفاعل في المجتمع، فقد تزوج وأنجب خمسة أطفال وحجز لنفسه مكانة خاصة في قلوب الناس، كما لم تردعه عن طلب الشهادة، حيث شوهد كثيراً وهو يدفع كرسيه المتحرك بحماس ويتقدم المسيرات الاحتجاجية المنددة بالاحتلال.

 

وأضافت الأم المكلومة خلال حديثها لـ"الاستقلال":" بتر قدميه لم يغير مسار فادي، ولم يقلب أولويات حياته، بل زاده اصراراً على السير في طريق النضال على كرسيه المتحرك".

 

وتتابع والدة الشهيد بحرقة: "منذ بداية مسيرات العودة كان يحرص على الحضور والمشاركة في كل فعاليات المسيرة، كنت أقول له بكفي اصابتك وعندك أولاد أقعد الهم، فيُجيب ضاحكاً كله ياما فداء للوطن وعشان أولادي يعيشوا بكرامة".

 

وأشارت إلى أن مشاركة " فادي" في مسيرات العودة كانت بهدف " إغاظة الاحتلال، والتأكيد على مدى تمسكه بأرضه وقدسه، ورسالة للعدو بأن روحه فداء للمسجد الأقصى".

 

وتحت جفنها ينام الحزن على وقع سؤال " ما الخطر الذي يُشكله شاب مقعد على كرسي متحرك بيده حجر، على جنود مدججين بالأسلحة المتطورة؟" لافتةً إلى أن الاحتلال يتجرد من إنسانيته و يخترق كل الحقوق والقوانين عندما يتعلق الأمر بفلسطيني.

 

"مبارك الشهادة يما"

 

ورغم الحزن والاسي الذي يجتاح قلب والدة الشهيد التي لم يبق لها سوى ذكرياتٍ تخنقها تارةً و تخفف عنها ألم الفراق تارة أخرى بعد رحيل نجلها، إلا انها فخورةً لنيله شرف الشهادة التي طالما سعى اليها.

 

وبصوتٍ باكٍ، تتذكر الوالدة نجلها:" اعتدت أن يكون فادي بيننا على مائدة الإفطار برمضان، لكنه اليوم ليس بيننا، أوجعنا برحيله وتركنا نعيش بالذكريات، أذكره مع كل لقمة أضعها بفمي وأراه يجلس معنا ضاحكاً كما كان دائماً".

 

وأضافت بعد ابتسامة خاطفة:" رغم الوجع أنا فخورة باستشهاد ابني، فكم كنت أتمنى أن أكون "أم الشهيد" وواحدة من أمهات الشهداء اللواتي يقدمن الغالي والنفيس لأجل الأرض"، واصفة نجلها بأنه "كان حنوناً وطيب القلب، وكل الناس بتشهد على أخلاقه واحترامه، ومنذ صغره وهو بحب بلاده ونفسه يرجعلها".

 

وفي نهاية حديثها وجهت والدة الشهيد كلمة لنجلها: "مبارك عليك الشهادة يما، طلبتها ونلتها يا نور عيوني، الله يهنيك ويجمعني فيك بالجنة".

 

موكب التشييع

وشهد صباح يوم الاثنين 14 الشهر الجاري، أجواء مُلبدة بالغيوم غابت فيها الشمس عن سماء قطاع غزة، حزنًا على وداع 62 شهيداً من القطاع، الذين ارتقوا برصاص الاحتلال الإسرائيلي خلال مشاركتهم في " مليونية العودة" ضمن فعليات مسيرات العودة الكبرى المُقامة على الحدود الشرقية للقطاع.

 

وألقى ذوو الشهيد أبو صلاح نظرة الوداع عليه، في أجواء طغت عليها حالة الحزن والغضب على فراقه، ليمضي موكب التشييع إلى مواراة جثمانه الثري بمقبرة الشهداء في مدينة خانيونس، وسط هتافات غاضبة، تؤكد مواصلة مسيرة العودة، وتندد بجرائم الاحتلال الاسرائيلي.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق