غزة – دعاء الحطاب:
أكد رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد”، صلاح عبد العاطي، أن الوضع الإنساني في قطاع غزة خلال عام 2025 يُعدّ الأشد قسوة وكارثية في تاريخ الحصار، حيث توالت على مدار العام مشاهد تجسّد انهيارًا إنسانيًا وتجويعًا غير مسبوق، لا سيما عقب الحملة الشرسة التي شنتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد المنظمات الإنسانية الدولية، وفي مقدمتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، ومنظمات المجتمع المدني الفلسطيني، منذ بدء حرب الإبادة الجماعية.
وأوضح عبد العاطي، في حديثه لـ”الاستقلال”، أن سلطات الاحتلال عملت خلال عام 2025 على منع إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وفرض إعادة تسجيل المنظمات الدولية لدى مؤسساتها القانونية، وإلزامها بالإفصاح عن بيانات شخصية وحساسة لموظفيها، إلى جانب فرض شروط سياسية وأمنية وإدارية، وعرقلة أنشطة الرصد الحقوقي والمناصرة، وذلك في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى التحكم بالأوضاع الإنسانية وتقويض العمل الإنساني المستقل.
وكشف أن نظام التسجيل الإسرائيلي الجديد للمنظمات الدولية غير الحكومية، المعتمد منذ مارس/آذار 2025، يُستخدم كأداة سياسية وأمنية للسيطرة على العمل الإنساني، من خلال فرض تقديم معلومات حساسة عن الموظفين والجهات المانحة، بما يعرّض العاملين للخطر، ويقوّض مبادئ الاستقلالية والحياد، ويهدد استدامة عمل المنظمات، ويجبر عددًا منها على تقليص أو تعليق عملياتها وسحب موظفيها الدوليين والمحليين، ما يفاقم معاناة الفئات الأكثر ضعفًا، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء وكبار السن وذوو الإعاقة.
وبيّن أن التصعيد الإسرائيلي شمل استهداف وكالة “الأونروا”، عبر منعها من إدخال نحو 6000 شاحنة مساعدات تابعة لها منذ وقف إطلاق النار عام 2025، بالتوازي مع سنّ وتشريع قوانين إسرائيلية تهدف إلى حظر أو تقييد عمل الوكالة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في محاولة مكشوفة لتفكيك أحد أعمدة الحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين، وتجفيف الاستجابة الإنسانية لملايين المدنيين، وفرض وقائع سياسية بالقوة تحت غطاء تشريعي زائف.
وأشار إلى أنه منذ الثاني من مارس/آذار 2025 لم تتمكن معظم المنظمات الإنسانية الدولية من إدخال مساعدات منقذة للحياة إلى قطاع غزة، حيث رُفضت مئات الطلبات بذريعة “عدم الأهلية”، ما أدى إلى حجز ملايين الدولارات من المواد الغذائية والطبية ومستلزمات الإيواء في مستودعات بالأردن ومصر، في وقت يتعرض فيه السكان الفلسطينيون لسياسة تجويع متعمدة وانهيار شامل في مقومات الحياة.
وأضاف أن الاحتلال يعرقل بشكل مباشر خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية والتعافي في قطاع غزة، إذ لم يُموَّل سوى نحو 1.6 مليار دولار من أصل 4 مليارات دولار مطلوبة لعام 2025، رغم بلوغ الاحتياجات الإنسانية مستويات كارثية وغير مسبوقة. وأوضح أن آلاف النازحين يعيشون في خيام متهالكة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، وتشير التقديرات إلى أن 93% منها غير صالحة للسكن، فضلًا عن معاناة أكثر من 900 ألف شخص من نقص حاد في المياه والخدمات الأساسية، وانهيار شبكات الصرف الصحي، وحرمان الملايين من سبل العيش والنشاط الزراعي نتيجة القيود المفروضة على إدخال المساعدات والمعدات والمواد الأساسية.
ومؤخرًا، بدأت حكومة الاحتلال إجراءات إلغاء تراخيص عمل عدد من المنظمات الدولية في قطاع غزة والضفة الغربية، بزعم “إخفاقها في استكمال متطلبات التسجيل القانونية”.
وفي تعقيبه على القرار، أكد عبد العاطي أن إلغاء تراخيص عمل المنظمات الدولية يُشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، وجريمة متكاملة الأركان.
وأوضح أن الإجراءات التعسفية بحق المنظمات الدولية تهدف إلى شلّ العمل الإنساني، وتقويض دور منظمات المجتمع المدني، وحرمان المدنيين الفلسطينيين، ولا سيما في قطاع غزة، من حقهم في الحصول على المساعدات الإنسانية الأساسية، في سياق سياسة ممنهجة للتجويع والعقاب الجماعي وتضييق الحيز المدني.
واعتبر أن تعطيل عمل المنظمات الإنسانية وفرض شروط سياسية وأمنية على تسجيلها ونشاطها يُعد خرقًا لالتزامات إسرائيل كقوة احتلال بموجب اتفاقيات جنيف، ويقوّض مبادئ الحياد والاستقلال وعدم التسييس التي يقوم عليها العمل الإنساني الدولي.
وطالب المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، بالتحرك العاجل لوقف هذه الإجراءات، وضمان حماية العاملين في المجال الإنساني، وتأمين وصول المساعدات دون عوائق، ومساءلة الاحتلال عن جرائمه بحق المدنيين والعمل الإنساني.
وشدد على أن استهداف العمل الإنساني لا يُعد إجراءً إداريًا، بل سلاحًا إضافيًا في حرب الإبادة والتجويع، مؤكدًا أن الصمت الدولي إزاء ذلك لم يعد موقفًا محايدًا.
وفي السياق ذاته، أعلنت الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول أن عام 2025 هو الأكثر فتكًا بالجوع في غزة منذ بدء الحصار، ليختتم عامًا كاملًا من الانهيار الإنساني المتواصل، دون أي مؤشر حقيقي على قرب نهاية المأساة.


التعليقات : 0