مختصون لـ "الاستقلال": التهديدات الإسرائيلية لغزة رسائل ضغط وحرب "نفسية وسياسية"

مختصون لـ
تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:

تصاعدت التهديدات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة خلال الأيام الأخيرة، في وقت يؤكد فيه خبراء أن هذه التصريحات لا تمثل إعلان حرب وشيكًا، بل تُعد أداة ضغط سياسية وأمنية متعددة الأبعاد.
ويشير مختصون بالشأن الإسرائيلي إلى أن الهدف من وراء هذه التهديدات هو ترميم معادلة الردع داخليًا، وتوجيه رسائل واضحة للوسطاء الدوليين، بينما يرى آخرون أن المرحلة المقبلة لن تشهد مواجهة شاملة، بل عمليات انتقائية محدودة.
ويجمع هؤلاء، في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال" أمس الأربعاء، على أن تكرار التهديدات الإسرائيلية يأتي في سياق معقد يجمع بين السياسة الداخلية، و الضغوط الدولية، والحساسيات الأمنية الإقليمية. كما أشاروا إلى أن الخطاب المتشدد يُستخدم أحيانًا لتخفيف الضغوط على الحكومة وتهدئة اليمين المتشدد داخل الائتلاف، فضلاً عن رفع سقف المطالب قبل أي مفاوضات محتملة.
وقال سكرتير حكومة الاحتلال، "يوسي فوكس"، إن حكومته ستمنح حركة حماس مهلة 60 يومًا لنزع سلاحها، مهددًا بالعودة إلى الحرب في حال عدم الاستجابة. ونقل موقع "تايمز أوف إسرائيل" عن فوكس قوله، خلال مؤتمر في القدس المحتلة، إن "إدارة دونالد ترامب طلبت منح حماس مهلة 60 يومًا لنزع سلاحها، ونحن نحترم ذلك".
ولم يحدد المسؤول الإسرائيلي موعد بدء المهلة، لكنه أشار إلى احتمال انطلاقها بعد انعقاد مجلس السلام برئاسة ترامب في واشنطن اليوم الخميس. وأوضح أن المهلة تتضمن مطالبة حماس بالتخلي عن جميع أسلحتها، بما فيها الأسلحة الفردية، مضيفًا أنه في حال عدم تنفيذ ذلك "سيتعيّن على الجيش إتمام المهمة"، في إشارة إلى استئناف حرب الإبادة.
أداة ضغط
ويرى المختص بالشأن الإسرائيلي د. إسماعيل مسلماني أن تكرار التهديدات الإسرائيلية بشأن غزة، لا سيما الصادرة عن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وعدد من الوزراء، يعكس انتقالًا من سياسة "احتواء الصراع" إلى التلويح بخيارات قصوى، معتبرًا أن تكرار التهديدات تجاه قطاع غزة في هذه المرحلة يحمل أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز مجرد التصعيد اللفظي.
وقال مسلماني لـ صحيفة "الاستقلال"، أمس الأربعاء، إن تلك التهديدات لا يمكن قراءتها كتمهيد فوري لحرب جديدة، بل كأداة متعددة الوظائف، تهدف أولًا إلى ترميم معادلة الردع التي ترى إسرائيل أنها تآكلت بعد جولات القتال السابقة، وثانيًا إلى توجيه رسائل داخلية لتهدئة ضغوط اليمين المتشدد داخل الائتلاف الحكومي، فضلًا عن تحويل الأنظار عن أزمات سياسية وقضائية واقتصادية.
وأضاف أن هذه التهديدات تُستخدم أيضًا لتحسين شروط التفاوض عبر رفع سقف المطالب قبل أي تسوية محتملة، واستخدام لغة القوة كورقة ضغط على الوسطاء، معتبرًا أن ما يجري يندرج ضمن "حرب نفسية سياسية" أكثر من كونه إعلانًا مباشرًا للحرب.
وحول توقيت هذه التصريحات رغم الحديث الدولي عن استكمال متطلبات المرحلة الثانية ، أشار مسلماني إلى أن التهدئة والتهديد يسيران في مسار متوازٍ، موضحًا أن "إسرائيل" غالبًا ما ترفع سقف خطابها خلال فترات الوساطات لتحسين شروطها، خاصة مع دخول شهر رمضان وما يحمله من حساسية أمنية تقليدية، إضافة إلى توجيه رسائل ردع إقليمية إلى إيران ومحور المقاومة.
"حرب انتقائية"
ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة أن التهديدات الإسرائيلية المتكررة تجاه قطاع غزة في هذه المرحلة لا تعني بالضرورة عودة حرب شاملة، مرجحًا أن تبقى العمليات في إطار "حرب انتقائية" أقل تكلفة وأكثر نجاحًا من منظور صانع القرار الإسرائيلي، واصفًا إياها بأنها أقرب إلى "عملية جراحية" محدودة وليست مواجهة مفتوحة.
وأوضح أبو رحمة لـ "الاستقلال"، أن التلويح المتكرر من قبل قادة الاحتلال بإعادة الحرب على غزة يمكن قراءته في سياق سياسي وأمني معقد، حيث يخدم تكرار التهديدات عدة أهداف، أبرزها رفع سقف الضغط في أي مسار دولي يتناول المرحلة الثانية من التفاهمات، خاصة ما يتعلق بالانسحاب، إضافة إلى محاولة ترسيخ معادلة ردع جديدة بعد جولات التصعيد السابقة.
وأشار إلى أن الخطاب الأمني المتشدد غالبًا ما يُستخدم في أوقات الأزمات السياسية أو الضغوط الشعبية لحشد القاعدة اليمينية وتحويل النقاش من القضايا الداخلية إلى "التهديد الخارجي"، معتبرًا أن جزءًا من هذا التصعيد اللفظي يندرج في إطار جسّ نبض الأطراف الإقليمية والدولية.
وأوضح أبو رحمة أن صدور هذه التهديدات رغم تصاعد الحديث الدولي عن التهدئة يعكس مفارقة تبدو شكلية أكثر منها جوهرية، إذ تركز بعض القوى الدولية على منع الانفجار الإقليمي، في حين قد ترى "إسرائيل" أن الظرف الإقليمي الراهن يمنحها هامشًا لإعادة ترتيب قواعد الاشتباك بما يخدم مصالحها.
وأكد أن المرحلة الراهنة لا تحتمل حربًا شاملة، خاصة مع ما وصفه بالدخول في مرحلة "مجلس السلام"، ما يجعل خيار المواجهة الواسعة غير منسجم مع المسار السياسي القائم.
ولفت أبو رحمة إلى أن الضفة المحتلة هي "الضحية الصامتة" في ظل انشغال الأطراف المختلفة بملف غزة، متحدثًا عن ما وصفه بـ"الصفقة الصامتة" التي تجري على وقع صمت إقليمي ودولي.
وخلص المحلل إلى أن التهديدات الحالية تمثل استراتيجية ضغط وتصعيد محسوب، وليست إعلانًا وشيكًا عن حرب حتمية، مؤكدًا أن قرار الحرب يُبنى على مزيج من التوقيت السياسي الداخلي، والبيئة الإقليمية، والموقف الدولي، وتقدير كلفة المواجهة ونتائجها.

التعليقات : 0

إضافة تعليق