الاستقلال / معتز شاهين:
تتصاعد التحركات التي تقودها الولايات المتحدة و"إسرائيل" في الشرق الأوسط باتجاه تشكيل ما يشبه حلفًا إقليميًا في مواجهة إيران، إلا أن هذه المحاولات لا تزال ضعيفة البنية وتفتقر إلى أي إطار مؤسسي واضح، ما يضعف احتمالات نجاحها وتحويلها إلى تحالف حقيقي متماسك.
ويرى محللون سياسيون أن ما يجري ليس مجرد حرب عابرة تقودها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران، بل إطلاق فعلي لتحالف عسكري – سياسي يجري بناؤه تدريجيًا تحت مظلة ما يسمى «مجلس السلام»، تمهيدًا لتشكيل حلف شرق أوسطي جديد بواجهة سياسية.
وأوضح هؤلاء، في أحاديث منفصلة مع صحيفة «الاستقلال»، أمس الأربعاء، أن مشاركة بريطانيا وفرنسا، مثل إرسال حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول»، تأتي لإضفاء غطاء سياسي وعسكري، لكنها لا تحول التحالف إلى كيان حقيقي متماسك.
وأعلنت فرنسا وبريطانيا تعزيز وجودهما العسكري في الشرق الأوسط، في خطوة تعكس توجهًا نحو الانخراط في المواجهة المتصاعدة مع إيران، وسط تساؤلات حول احتمال توسع مشاركة دول حلف شمال الأطلسي في الصراع.
وكانت باريس ولندن قد أكدتا في وقت سابق أنهما لم تشاركا في الضربات التي استهدفت إيران، إلا أنهما أعلنتا استعدادهما لدعم ما وصفتاه بـ«الإجراءات الدفاعية الضرورية والمتوازنة»، الهادفة إلى تقليص قدرة طهران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفي هذا السياق، أمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإرسال حاملة الطائرات «شارل ديغول» للانتقال من بحر البلطيق إلى البحر المتوسط، على أن ترافقها مجموعتها الجوية والفرقاطات المرافقة لها، مشيرًا إلى نشر مقاتلات «رافال» وأنظمة دفاع جوي ورادارات محمولة جوًا في الشرق الأوسط خلال الساعات الماضية.
وأعلن الحرس الثوري الإيراني انطلاق الموجة التاسعة عشرة من عملية «الوعد الصادق 4»، في إطار هجوم مركّب باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وقال الحرس الثوري إن العملية استهدفت «مواقع العدو الصهيوني في قلب الأراضي المحتلة وقواعد الإرهابيين الأميركيين في المنطقة»، مشيرًا إلى وقوع انفجارات كبيرة خلال تنفيذ الضربات.
وتأتي هذه العمليات في سياق ردّ إيران على العدوان المشترك الذي تشنه "إسرائيل" والولايات المتحدة، في ظل تصاعد المواجهة العسكرية بين الأطراف وتبادل الضربات في أكثر من جبهة في المنطقة.
تحالف وهمي
يرى الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة أن التحركات الأمريكية لتشكيل ما يسمى حلفًا إقليميًا ضد إيران ليست سوى محاولة لإعادة صياغة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط تحت ستار «مجلس السلام» الذي أعلن عنه الرئيس دونالد ترامب، مؤكدًا أن هذا الحلف يفتقر إلى الأساس المؤسساتي المتين ويواجه عقبات سياسية واستراتيجية كبيرة.
وأوضح أبو رحمة، في حديثه لـ«الاستقلال»، أن مشاركة بريطانيا وفرنسا، مثل إرسال حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول»، تأتي لإضفاء غطاء سياسي وعسكري، لكنها لا تحول التحالف إلى كيان حقيقي متماسك، خصوصًا بعد رفض السعودية سابقًا الانخراط الكامل، ما يُظهر محدودية الدعم الإقليمي الفعلي.
وأضاف أن ما يجري في الواقع هو شبكة تنسيق وظيفية تعتمد على الأمن والاستخبارات والدفاع الجوي، وليست تحالفًا رسميًا موحدًا، وتمثل واجهة سياسية لإعادة فرض النفوذ الأمريكي دون التزامات عميقة.
وحذر أبو رحمة من أن تدخلات "إسرائيل" في العراق ولبنان، في إطار ما يعرف بـ«عقيدة المعركة بين الحروب» الرامية إلى منع التموضع العسكري الإيراني، تهدف إلى توسيع دائرة الصراع وتمكين "تل أبيب" من القيام بما تشاء في المنطقة، وهو ما يزيد المخاطر الاقتصادية والسياسية ويصعّب السيطرة على التصعيد.
وأشار إلى أن دول أوروبا ستبقى مشاركتها محدودة، ومقتصرة على الدعم اللوجستي والاستخباري والمشاركة البحرية الرمزية، فيما تميل دول الخليج إلى إدارة التوازن الإقليمي وتقديم شراكة أمنية غير معلنة، مع تحفظ واضح لتجنب تحويل أراضيها إلى ساحات مواجهة مباشرة مع إيران.
ونبّه أبو رحمة بالقول: «إن ما يسمى بحلف الشرق الأوسط الجديد ليس إلا محاولة أمريكية لإعادة رسم المنطقة على مقاس مصالح واشنطن وتل أبيب، في حين يظل تحقيق أهدافه الاستراتيجية بعيد المنال في ظل الخلافات الإقليمية والدولية الراهنة».
أجندة خفية
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي أ. عدنان الصباح أن ما يجري ليس مجرد حرب عابرة تقودها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران، بل إطلاق فعلي لتحالف عسكري – سياسي يجري بناؤه تدريجيًا تحت مظلة ما يسمى «مجلس السلام»، تمهيدًا لتشكيل حلف شرق أوسطي جديد بواجهة سياسية.
ويؤكد الصباح، في حديثه لـ«الاستقلال»، أن هذا المسار بدأ منذ لحظة تشكيل المجلس وإدماج دولة الاحتلال فيه، في إطار خطة لا تستهدف حربًا قصيرة، بل صراعًا طويل الأمد يمنح الولايات المتحدة فرصة لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي اقتصاديًا واستراتيجيًا.
ويشير إلى أن ملامح الحلف بدأت تتجسد بمشاركة بريطانيا وفرنسا، رغم تحفظ السعودية سابقًا، ما يكشف وجود تباينات داخل المعسكر، لافتًا إلى أن الانخراط الأوروبي يمنح المشروع غطاءً دوليًا ويمهّد لتحويل «مجلس السلام» إلى حلف أمني إقليمي تقوده الولايات المتحدة بالشراكة مع دولة الاحتلال.
وفي السياق ذاته، يرى الصباح أن تكثيف الاحتلال قصفه في العراق ولبنان يهدف إلى توسيع دائرة الحرب وجرّ أطراف جديدة إلى المواجهة، بما يخلق واقعًا إقليميًا مضطربًا يسمح له بالتحرك بحرية أكبر وفرض معادلات جديدة في الشرق الأوسط.
وشدد على ضرورة أن تدرك دول الخليج وتركيا وباكستان حجم المخاطر التي قد تترتب على انفجار الأوضاع مع إيران، سواء من زاوية التوازنات الداخلية أو التداعيات الأمنية والإثنية.
ويرى أن مصر، بحكم بقائها خارج دائرة الاشتباك المباشر وامتلاكها علاقات متوازنة، يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.
ويخلص الصباح إلى أن مستقبل هذا المشروع يتوقف على قرار الدول العربية: إما الانخراط في مخطط تحويل «مجلس السلام» إلى حلف أمني شرق أوسطي تقوده واشنطن ودولة الاحتلال، أو إعادة التموضع لمنع استخدام أراضيها وقواعدها في صراع قد يحولها إلى ساحات مواجهة، ويدفعها ثمنًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا باهظًا.


التعليقات : 0