قرارات "الكابينت" في الضفة.. تصعيد غير مسبوق يمهّد لضمٍّ دائم

قرارات
تقارير وحوارات

الضفة المحتلة / معتز شاهين:

تشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيدًا سياسيًا وقانونيًا لافتًا، عقب مصادقة المجلس الوزاري المصغر في حكومة الاحتلال الإسرائيلي ("الكابينت") على حزمة قرارات تمثل تحولًا نوعيًا في إدارة الأراضي الفلسطينية. ولا تقتصر هذه القرارات على توسيع النشاط الاستيطاني، بل تمتد لتشمل تعديلات جوهرية في البنية القانونية والإدارية الناظمة للأراضي، بما يعكس توجهًا نحو إعادة تشكيل طبيعة السيطرة الإسرائيلية عليها.

ويرى محللون ومختصون أن هذه الخطوات تندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى ترسيخ واقع استعماري طويل الأمد، عبر إرساء ترتيبات قانونية وإدارية معقّدة يصعب التراجع عنها مستقبلًا.

ويحذّر هؤلاء، في أحاديث منفصلة لصحيفة "الاستقلال"، من تداعيات استمرار هذا المسار في ظل غياب موقف فلسطيني موحّد، وصمت دولي ملحوظ، إلى جانب الدعم الأمريكي الذي يعزز قدرة "إسرائيل" على المضي قدمًا في فرض سيادتها الفعلية على الضفة الغربية.

وكان  "الكابينت" الإسرائيلي قد صادق، يوم الأحد، على قرارات ستؤدي إلى تغييرات عميقة في إدارة وتسجيل الأراضي في الضفة الغربية المحتلة، وتعميق مخطط الضم، وتسمح بهدم مبانٍ فلسطينية في المناطق "أ".

وتهدف هذه القرارات، التي يدفع بها وزير جيش الاحتلال "يسرائيل كاتس" ووزير المالية "بتسلئيل سموتريتش"، إلى توسيع كبير للاستعمار، بحيث أن إلغائها مرتبط بتعقيدات قانونية.

ويتعلق أحد هذه القرارات، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية اطلعت على القرار، بإزالة السرية عن سجل الأراضي في الضفة، بحيث سيكون مكشوفًا ويسمح بالاطلاع على أسماء مالكي الأراضي والتواصل معهم مباشرة لشرائها.

وأثارت هذه القرارات ردود فعل واسعة على المستويين الفلسطيني والعربي، واعتُبرت الأخطر منذ عام 1967.

ورأت حركة الجهاد الإسلامي أنها محاولة لتهجير الفلسطينيين ومصادرة الأراضي ضمن مشروع ضم صامت يفرض نظامًا قمعيًا، محملة الإدارة الأمريكية والدول العربية المطبعة مسؤولية استمرار الجرائم، وداعية إلى رد فلسطيني موحّد. كما أدانت الرئاسة الفلسطينية هذه الإجراءات، معتبرة إياها انتهاكًا للاتفاقيات الدولية وأوسلو، واعتبرت المملكة الأردنية أنها خرق للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، محذرة من أنها تهدد حل الدولتين وحق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

في المقابل، دعت فصائل فلسطينية ودول عربية المجتمع الدولي للتحرك الفوري لإلزام الاحتلال بالامتثال للقانون الدولي ووقف سياسات الضم والاستيطان.

هيمنة دائمة

من جهته، يرى المختص بشؤون الاستيطان علاء الريماوي، أن مصادقة المجلس الوزاري المصغر في حكومة الاحتلال على حزمة القرارات الأخيرة تمثل تحولًا نوعيًا في إدارة الاحتلال للضفة الغربية، إذ لا تقتصر على توسيع الاستيطان، بل تؤسس لمرحلة إعادة صياغة المنظومة القانونية والإدارية بما يخدم مشروع الضم.

وقال الريماوي في حديثه مع "الاستقلال" إن تلك الإجراءات، التي يقودها وزير جيش الاحتلال "يسرائيل كاتس" ووزير المالية "بتسلئيل سموتريتش"، تأتي ضمن سياسة ممنهجة لتوسيع الاستعمار وخلق واقع قانوني يصعب التراجع عنه مستقبلًا، خصوصًا أن إلغاء هذه القرارات سيكون معقدًا قانونيًا.

وأشار إلى أن أخطر ما في هذه القرارات يتعلق بالأراضي، حيث يسمح رفع السرية عن السجل الإسرائيلي بالاطلاع على أسماء الملاك الفلسطينيين والتواصل معهم مباشرة، ما يفتح الباب أمام استحواذ منظّم ويحوّل الصراع من كونه عسكريًا–أمنيًا إلى مستوى قانوني–ملكي أكثر تعقيدًا وخطورة.

وأوضح الريماوي أن القانون الجديد يسمح للمستوطنين بشراء الأراضي مباشرة دون الحاجة لموافقة رسمية أو المرور بشركات وسيطة، ما يحوّل الضفة إلى بيئة قانونية أقرب للقانون الإسرائيلي ويعزز سيطرة الاحتلال على الأراضي.

ولفت إلى أن السماح بهدم مبانٍ فلسطينية في مناطق (أ) وفرض الرقابة على المباني في مناطق (أ) و(ب) بحجة حماية المواقع الأثرية، يحوّل السيطرة الإسرائيلية من إدارة محدودة باتفاقيات "أوسلو" إلى ممارسة سيادة مباشرة على الأرض.

ونبه المختص بشؤون الاستيطان إلى أن حكومة "بنيامين نتنياهو" تسعى إلى تسريع خطوات الضم قبل انتخابات تشرين الأول/أكتوبر المقبلة، عبر فرض وقائع إدارية وتشريعية تجعل الضفة الغربية محكومة فعليًا بمنظومة الاحتلال، وتحوّل مشروع الضم من شعار سياسي إلى بنية حكم قائمة على الأرض.

استغلال الفراغ

الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح اعتبر قرارات "الكابينت" المتعلقة بتغيير الواقع القانوني والمدني في الضفة المحتلة تمثل استغلالًا لحالة الانشغال الإقليمي والدولي، بما في ذلك الصراعات في غزة ولبنان وسوريا وإيران والعراق واليمن.

قال الصباح لـ"الاستقلال"، إن الاحتلال يرى في هذه الظروف فرصة لتحقيق أهدافه القديمة المتمثلة في ضم الضفة الغربية وتسهيل تهويدها، مشيرًا إلى أن هذا قد يؤدي إلى تسريع الاستيطان، وزيادة عمليات الهدم، وتقويض قدرة الفلسطينيين على ممارسة أي سلطة مدنية حقيقية في مناطقهم.

ويتوافق تقييم الصباح مع التحليلات السابقة، إذ أشار إلى أن من بين القرارات الأخطر رفع السرية عن سجل الأراضي في الضفة الغربية، ما يتيح الكشف عن أسماء المالكين الفلسطينيين، وتمكين جهات إسرائيلية من التواصل معهم مباشرة بهدف شراء الأراضي.

وأكد أن الواقع الدولي والإقليمي الحالي يسهل على "إسرائيل" تنفيذ هذه القرارات، من خلال تجاوز الشركات والطرق الالتفافية في شراء الأراضي، وتحويل العملية إلى إجراءات مباشرة شبه قانونية، رغم ما وصفه بـ"القانون الأعوج".

وحذر المحلل السياسي من السيناريو المحتمل إذا استمر الاحتلال في هذا المسار دون رادع، موضحًا أن غياب وحدة فلسطينية حقيقية، وصمت المجتمع الدولي، والدعم الأمريكي الكامل، وتحول بعض الدول العربية إلى وسطاء بين الاحتلال والشعب الفلسطيني، يزيد من قدرة الاحتلال على فرض سيادته بشكل كامل على الضفة الغربي

التعليقات : 0

إضافة تعليق