غزة / معتز شاهين:
أجمع خبراء ومحللون سياسيون على أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تبدو عمليًا «ولدت ميتة»، في ظل غياب أي مؤشرات جدية على الانتقال الفعلي إليها، رغم انتشال جثمان آخر أسير إسرائيلي في غزة، معتبرين أن ما يُتداول سياسيًا وإعلاميًا حولها لا يتجاوز كونه «تسويقًا سياسيًا» يهدف إلى التغطية على إخفاق الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة في تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق.
وأكد الخبراء في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال"، أمس الأربعاء، أن أي تقدم حقيقي كان من المفترض أن يبدأ بعد استكمال الالتزامات السابقة، محذرين من أن المرحلة الثانية لن تحقق أهدافها، داعيين إلى إعادة توحيد الصف الفلسطيني وبناء جبهة مقاومة وطنية موحدة قادرة على مواجهة المخططات الإسرائيلية–الأمريكية.
وأعلن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بدء المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، مع تشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراطية في القطاع.
وقال ويتكوف إن المرحلة الثانية ستشمل إعادة إعمار غزة ونزع سلاحها بالكامل. وأضاف محذراً: "إن الفشل في ذلك سيترتب عليه عواقب خطيرة".
غير أن توقيت هذا الإعلان تزامن مع قيام الاحتلال الإسرائيلي، يوم الأحد، بانتشال جثمان الجندي"ران غفيلي" آخر أسير إسرائيلي في قطاع غزة، وهو ما اعتبره مراقبون عاملًا كاشفًا لطبيعة الموقف الإسرائيلي، إذ رأى خبراء أن حصول الاحتلال على جثمان آخر أسير كان من المفترض أن يزيل أحد أبرز الذرائع التي استخدمها للمماطلة في تنفيذ استحقاقات الاتفاق، إلا أن التصريحات الإسرائيلية اللاحقة توحي بعكس ذلك.
وفي السياق ذته، ادّعى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، يوم الاثنين، أن المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار لا تستهدف إعادة إعمار القطاع، بل تركز على تجريد حركة "حماس" من سلاحها.
"مرحلة شكلية"
وترى الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن بدء المرحلة الثانية من وقف الحرب في غزة يبدو شكلياً فقط، مشيرة إلى أن الاحتلال قد يستخدم ملف نزع سلاح حركة حماس ذريعة لاستئناف العدوان، خاصة في ظل غياب أي جهة رسمية فلسطينية أو دولية لتلقي السلاح، وعدم اقتناع الحركة بمبدأ التسليم الكامل، إذ تفضل التفاوض حول إمكانية تجميد السلاح بدل نزعه.
وأوضحت د. عودة خلال حديثها مع "الاستقلال"، أن هناك مهلة زمنية قد تمتد حتى نهاية شهر رمضان لتسليم السلاح، وفي حال عدم الالتزام ستتجه "إسرائيل" على الأرجح لاستكمال عدوانها، ما يجعل المرحلة الثانية ناقصة على أرض الواقع.
وأكدت أن الخيارات الواقعية أمام فصائل المقاومة محدودة في ظل المماطلة الإسرائيلية، مشيرة إلى أن الفصائل قد تضطر لإصدار بيان رسمي لتسليم إدارة القطاع للجنة التكنوقراط المقترحة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما يضع مسؤولية إدارة القطاع بالكامل تحت إشراف المجتمع الدولي، بعد أن أصبح القرار الفلسطيني المحلي عاجزاً عن السيطرة على مجريات الأمور.
كما أعربت د. عودة عن مخاوفها إزاء آلية عمل معبر رفح، معتبرة أن المعبر أصبح تحت سيطرة أمنية إسرائيلية، وتحول عملياً إلى بوابة تفرض رقابة صارمة على الداخلين والخارجين من القطاع، ما قد يثني الكثير من سكان غزة المقيمين بالخارج عن العودة خشية الاعتقال، في إطار ما وصفته بالمنهج الإسرائيلي لتهجير السكان.
وشددت الكاتبة السياسية على أن المرحلة الثانية من الاتفاق وُلدت مشوهة وضبابية، وأن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حول السيطرة الأمنية الإسرائيلية على القطاع تنذر بعودة أجواء التصعيد والحرب، مما يجعل أي حالة من الاستقرار السياسي والأمني في غزة غير مؤكدة حتى الآن.
" كذبة سياسية"
الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح شكك، بوجود مرحلة ثانية حقيقية من الأساس، معتبراً أن ما يجري تداوله سياسياً وإعلامياً حول الانتقال إلى هذه المرحلة لا يعدو كونه "صناعة كذبة سياسية" تهدف إلى تغطية إخفاق الاحتلال والولايات المتحدة في تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى.
وأوضح الصباح لـ "الاستقلال"، أن المنطق السياسي والقانوني لأي اتفاق يفرض الانتقال إلى مرحلة جديدة فقط بعد استكمال التزامات المرحلة السابقة، متسائلاً: "هل انتهت فعلاً المرحلة الأولى؟ وهل التزمت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال بتعهداتهما؟"، مشدداً على أن الإجابة الواضحة هي بالنفي.
وأضاف أن القبول الفلسطيني المبكر بفكرة وجود مرحلة ثانية دون فرض تنفيذ استحقاقاتها شكّل خطأً سياسياً، كان يجب تفاديه عبر الضغط لإنهاء الالتزامات القائمة أولاً، قبل الحديث عن أي خطوات لاحقة.
وأكد الصباح أن الخيارات المتاحة أمام الفصائل الفلسطينية في ظل استمرار المماطلة الإسرائيلية "ليست صفرية"، لكنها تبدأ، من وحدة البيت الفلسطيني، وإعادة بناء جبهة مقاومة وطنية موحدة ببرنامج سياسي جامع، يعيد صياغة التحالفات الإقليمية، ويؤسس لما وصفه بـ"صبر استراتيجي قوي"، قائم على الوحدة لا الانتظار السلبي.
وشدد على أن هذا الصبر الاستراتيجي لا يمكن أن يتحقق في ظل الانقسام القائم بين “جبهة سلطة” و”جبهة مقاومة”، معتبراً أن استمرار هذا الواقع يخدم الاحتلال ويمنحه القدرة على استثمار الانقسام الفلسطيني في ضرب القضية الوطنية من الداخل.
وفي تقييمه لإمكانية نجاح المرحلة الثانية، قال الصباح: "المرحلة الثانية وُلدت ميتة"، محملاً الولايات المتحدة ودولة الاحتلال مسؤولية إفشال الاتفاق، ومؤكداً أنهما لا ترغبان بالانتقال إلى أي مرحلة جديدة، بل تعملان على إنهاء الاتفاق بالكامل، تمهيداً لفرض سيناريوهات داخلية فلسطينية خطيرة، تصل إلى حد الصدام الداخلي ونزع سلاح المقاومة.
وأشار إلى أن المخطط الأميركي–الإسرائيلي يهدف إلى خلق تعارض فلسطيني–فلسطيني، باعتباره مدخلاً لتصفية القضية الوطنية، داعياً إلى إفشال هذا المخطط عبر بناء جبهة مقاومة وطنية موحدة تتحول إلى إطار معارضة وطنية جامعة، تُلزم السلطة الفلسطينية بالاعتراف بدور المقاومة السياسي والوطني.


التعليقات : 0