آلية الاحتلال لفتح معبر رفح.. انفراجه شكلية تخفي التهجير المقنّع

آلية الاحتلال لفتح معبر رفح.. انفراجه شكلية تخفي التهجير المقنّع
تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:

بعد أكثر من سبعة أشهر على إغلاقه الكامل، تعود أنظار الفلسطينيين إلى معبر رفح الحدودي مع مصر، لكن خبراء سياسيين يحذرون من أن الخطوة الإسرائيلية لإعادة فتحه ليست انفراجه حقيقية، بل أداة ضغط سياسية تهدف إلى السيطرة على حركة الفلسطينيين ودفعهم نحو الهجرة.

ونبه الخبراء في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال"، الأحد، إلى أن الإجراءات المشددة، بما في ذلك التفتيش الجسدي والقيود الأمنية، تجعل العودة محفوفة بالمخاطر، ما يعكس طبيعة الخطوة كأداة سياسية أكثر منها منفذًا إنسانيًا.

وكشفت صحيفة عبرية عن آلية تفتيش إسرائيلية جديدة تمهّد لإعادة فتح معبر رفح في الاتجاهين، بعد أن سيطر الاحتلال على المعبر خلال اجتياح مدينة رفح ضمن حربه على القطاع.

وأفادت صحيفة "هآرتس" بأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أنهت تجهيزاتها لإعادة فتح المعبر "قريبًا"، مع مراعاة توجيهات القيادة السياسية.

وتشمل الخطة تفتيشًا "عن بُعد" للمغادرين باستخدام أنظمة حاسوبية، مقابل تفتيش جسدي للعائدين، إضافة إلى إنشاء نقطة تفتيش جديدة تحت سيطرة الاحتلال بذريعة "الاعتبارات الأمنية". كما تشير الصحيفة إلى استعداد قوة أوروبية للمشاركة في مراقبة المعبر، بينما يتولى الجانب الفلسطيني إدارته دون ظهور رموز رسمية، لحساسية الاحتلال من أي حضور رسمي للسلطة في غزة.

"تهجير مقنّع"

الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح حذر من أن خطة الاحتلال لإعادة فتح معبر رفح وفق آلية التفتيش الجديدة لا تمثل انفراجة حقيقية، بل تندرج في إطار ترتيبات أمنية مشروطة تهدف إلى خدمة أهدافه، وعلى رأسها دفع الفلسطينيين نحو الخروج وتقليص فرص عودتهم إلى قطاع غزة.

وقال الصباح في حديثه مع صحيفة "الاستقلال"، أمس الأحد، إن الاحتلال يسعى للاستفادة القصوى من أي قرار أو اتفاق يتعلق بحركة الخروج والعودة، مشيرًا إلى أن السماح بعودة الفلسطينيين إلى غزة يُعد من وجهة نظر إسرائيل "كارثة"، لأنها لا تريد عودة السكان، ولذلك تعمل على جعل العودة أكثر تعقيدًا وخوفًا وردعًا.

وأوضح أن فرض التفتيش الجسدي المشدد على العائدين، إلى جانب احتمال الاحتجاز أو الاعتقال، سيجعل كثيرين يحجمون عن التفكير بالعودة عبر معبر رفح، لافتًا إلى أن الاحتلال قد يمنع بعض الفلسطينيين من العودة أو يحوّل عملية العودة نفسها إلى "أزمة حقيقية" ترهيبية.

وأكد الصباح أن الأولى كان أن يتم تطبيق بروتوكول إنساني شامل يركز على إدخال المعدات الطبية، وتجهيز المستشفيات، وتوفير الأدوية والطواقم الطبية، إضافة إلى إدخال مستلزمات الإيواء وبناء المساكن المؤقتة، بما يسمح بعودة الحياة الأساسية في غزة. وأضاف أن توفير المدارس والجامعات وانتظام العملية التعليمية كان من شأنه تعزيز صمود الفلسطينيين وتقليل دوافع الخروج، بدل تشجيعه بشكل غير مباشر.

وفيما يتعلق بدور السلطة الفلسطينية، وصف الصباح هذا الدور بأنه "شكلي بحت"، مؤكدًا أن وجودها دون رموز رسمية أو صلاحيات حقيقية لا يحمل أي قيمة سياسية أو إدارية، وأن القرار الفعلي في الدخول والخروج يبقى بيد الاحتلال وحده.

واعتبر أن هذا الشكل من المشاركة قد يتحوّل إلى أداة ضغط إضافية على السلطة لانتزاع تنازلات سياسية لاحقًا.

وشدد الصباح على أن الهدف الحقيقي لكل من الاحتلال وبعض الأطراف الدولية، وفي مقدمتهم الإدارة الأمريكية، لا يتمثل في قضايا أمنية أو نزع سلاح المقاومة، بل في "نزع الناس من قطاع غزة"، عبر تهيئة ظروف معيشية قاسية تدفع الفلسطينيين إلى الرحيل قسرًا.

ونبه المحلل السياسي إلى أن فتح معبر رفح بهذه الصيغة لن يكون وسيلة لتعزيز الصمود، بل أداة من أدوات التهجير الناعم، ما لم يسبقه أو يرافقه تطبيق كامل ودقيق للبروتوكول الإنساني، خاصة في مجالات الإيواء والغذاء والماء والدواء والكهرباء، وكل ما يضمن بقاء الفلسطينيين على أرضهم.

خطر الاعتقال

وتتفق الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة مع الرأي السابق بأن الإعلان عن خطة إسرائيلية لإعادة فتح معبر رفح الحدودي مع مصر، بعد إغلاقه منذ مايو 2024، لا يشير إلى انفراجة حقيقية، بل يأتي في إطار ترتيبات مشروطة تخدم أهداف الاحتلال.

وأوضحت عودة لـ "الاستقلال" أن احتمالية موافقة الاحتلال الاسرائيلي على فتح المعبر في الاتجاهين تعكس بشكل أساسي الضغط المصري على إدارة ترامب للسماح بعودة الفلسطينيين العالقين في مصر، إضافة إلى محاولة إسرائيل إظهار مرونتها أمام الإدارة الأمريكية مقابل الحصول على وعود في ملفات استراتيجية، مثل العودة للحرب أو التحرك ضد إيران، والتي تعتبرها إسرائيل أكثر أهمية من ملف رفح.

وحول آلية التفتيش الجديدة، أشارت عودة إلى أن التفتيش الجسدي المشدد على العائدين، وما قد يصاحبه من مخاطر الاحتجاز أو الاعتقال، سيجعل الكثير من الفلسطينيين في الخارج مترددين عن العودة، مؤكدة أن أغلب المتوقع عودتهم هم من لم يتمكنوا من العيش خارج غزة أو مضطرون للعودة لأسباب عائلية أو عملية.

كما شددت على أن دور السلطة الفلسطينية في إدارة المعبر يبقى إداريًا لتسهيل الإجراءات والتعامل مع المواطنين، وأنه من الممكن أن يتطور لاحقًا ليأخذ طابعًا رسميًا وسياديًا، لكنه حاليًا ليس له أي تأثير على القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالدخول والخروج، التي تبقى بيد الاحتلال وحده.

وقالت عودة إن خطة الاحتلال تعكس ما وصفته بـ "التهجير الناعم"، محذرة من أن فتح المعبر بهذه الآلية لن يكون أداة لتعزيز صمود الفلسطينيين في غزة، إلا إذا صاحبته خطوات إنسانية شاملة تضمن استمرار الحياة الأساسية، بما في ذلك الإيواء والغذاء والماء والدواء والكهرباء.

وأكدت أن أي انفراجة شكلية دون تطبيق البروتوكول الإنساني الكامل قد تزيد من صعوبة العودة وتوسع دائرة المعاناة الإنسانية، محذرة من أن المعبر سيظل وسيلة ضغط سياسية أكثر من كونه منفذًا إنسانيًا.

التعليقات : 0

إضافة تعليق