غزة / معتز شاهين:
في ظل تصاعد الذرائع الأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية، تتكشف خطوات ميدانية تتجاوز الطابع العسكري لتطال جوهر القضية الفلسطينية. فتعليمات السيطرة على مخيمات لاجئين شمال الضفة لا تبدو إجراءً عابرًا، بل حلقة في مسار يستهدف إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا، وضرب رمزية المخيمات بوصفها شاهدًا حيًّا على قضية اللاجئين.
ويحذّر مراقبون من خطورة خطوة كاتس في السيطرة على مخيمات لاجئين إضافية، معتبرين أنها تأتي ضمن خطة توسعية شاملة لا تستهدف المخيمات فحسب، بل تمتد إلى كامل الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.
وأجمع هؤلاء، في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال" أمس الأربعاء، على أن توسيع هذه العمليات قد يؤدي إلى تصعيد واسع ويفتح الباب أمام انفجار ميداني في الضفة، في ظل استمرار الاحتلال في استهداف المخيمات التي تمثل رمزًا لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
وتعتزم "تل أبيب" وضع خطط لاحتلال مخيمات الضفة الغربية والمكوث فيها على غرار ما جرى في مخيمات شمال الضفة الغربية لتفكيك ما سمته البنى التحتية المسلحة.
وبحسب موقع "واللا" العبري، فقد أصدر وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس تعليماته للقيادة المركزية بالتخطيط لعمليات احتلال مخيمات اللاجئين، وتفكيك البنى التحتية المسلحة.
ووفقا للتقرير، فإن خطط الجيش ستكون مشابهة للعملية المستمرة منذ عام على مخيم جنين، حيث احتله الجيش وهجر سكانه وهدم أجزاء كبيرة من بيوته، وهو ما اعتبرته "تل أبيب" نشاطا ناجحا أعاد لجيش الاحتلال حرية العمل في "وكر الدبابير"، كما تسميه.
وخلال العام 2025، شرعت القيادة المركزية لجيش الاحتلال بتنفيذ عملية عسكرية في الضفة الغربية، وبناءً على تعليمات الوزير كاتس، احتلت ثلاثة مخيمات في جنين وطولكرم وتم تدميرها وتهجير أكثر من خمسين ألف مواطن منها وإقامة مواقع عسكرية بداخلها. تفكيك المخيمات
تحوير اللاجئين
في السياق يرى الكاتب والمحلل السياسي د. عمر جعارة أن تعليمات وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس للقيادة الوسطى في جيش الاحتلال بالتخطيط للسيطرة على مخيمات لاجئين إضافية في شمال الضفة الغربية، تأتي في إطار سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى محو أي أثر للوجود الفلسطيني، لا سيما في المخيمات.
وأوضح جعارة، لـ "الاستقلال"، أن الاحتلال يسعى من خلال استهداف المخيمات إلى إعادة صياغة ملف اللاجئين الفلسطينيين، عبر ضرب الشرعية السياسية والقانونية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي شكّلت منذ تأسيسها عنوانًا لقضية الفلسطينيين المهجّرين من أراضيهم منذ نكبة عام 1948.
وأشار إلى أن العمليات العسكرية التي نُفذت في مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم، إضافة إلى المخيمات المرشحة للاستهداف في نابلس، مثل مخيم بلاطة والمخيم الجنوبي، تؤكد أن الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على ملاحقة المقاومة، بل يتعداه إلى القضاء على المخيمات بوصفها شاهدًا حيًا على جريمة التهجير واللجوء.
واعتبر جعارة أن استهداف المخيمات يعكس عجزًا إسرائيليًا كاملًا عن حسم القضية الفلسطينية، سواء بالوسائل العسكرية أو السياسية، لافتًا إلى فشل الاحتلال في إنهاء الوجود الفلسطيني في مخيمات كبرى بقطاع غزة والضفة الغربية، رغم ما وصفه بسياسات الإبادة والتطهير العرقي.
وأكد أن "إسرائيل" تحاول تكريس رواية دينية توراتية تزعم أن الفلسطينيين “غرباء عن الأرض”، في مسعى لتجريدهم من حقهم التاريخي والقانوني، غير أن هذه المحاولات فشلت في كسر ارتباط الفلسطينيين بأرضهم، سواء في المخيمات أو المدن الفلسطينية، في غزة والضفة وحتى في الشتات.
وحذّر جعارة من أن توسيع عمليات السيطرة على المخيمات في الضفة الغربية قد يقود إلى انفجار شامل، في ظل استمرار الاحتلال في تحدي الشرعية الدولية، مستندًا إلى الدعم والفيتو الأمريكي، معتبرًا أن جوهر المشكلة لا يكمن في "إسرائيل" وحدها، بل في الغطاء السياسي الذي توفره الولايات المتحدة لهذه السياسات.
وختم بالقول إن "إسرائيل"، رغم تصعيدها، لا تستطيع تنفيذ سياساتها دون الضوء الأخضر الأمريكي، مشددًا على أن استمرار هذا النهج سيُبقي المنطقة أمام حالة توتر مفتوحة، دون أن ينجح الاحتلال في تحقيق هدفه بإلغاء القضية الفلسطينية أو شطب حق اللاجئين.
خطة توسعية
وحذّر الكاتب والمحلل السياسي فايز سويطي من خطورة تعليمات وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس بالتخطيط لعمليات سيطرة على مخيمات لاجئين إضافية في شمال الضفة الغربية، معتبراً أنها تأتي ضمن خطة توسعية شاملة لا تستهدف المخيمات فحسب، بل تمتد إلى كامل الأراضي الفلسطينية في الضفة.
وأوضح سويطي، في حديث صحفي، مع "الاستقلال"، الأربعاء، أن تصريحات كاتس تعكس توجهاً استراتيجياً لدى الاحتلال للسيطرة على المخيمات أولاً، ثم الانتقال لاحقاً إلى باقي مناطق الضفة الغربية التي يعتبرها الاحتلال جزءاً مما يسميه زوراً بـ"يهودا والسامرة"، استناداً إلى روايات وأساطير دينية يستخدمها لتبرير التوسع والاستيطان.
واعتبر أن استهداف المخيمات يشكل اعترافاً ضمنياً بعجز الاحتلال عن كسر المقاومة بوسائل أخرى، مؤكداً أن المخيمات لطالما شكّلت عبر التاريخ الفلسطيني "منابع الثورة والمقاومة والصمود والثبات"، الأمر الذي يجعلها هدفاً مركزياً للسياسة الأمنية الإسرائيلية.
وأضاف سويطي أن هذه العمليات لا تنفصل عن محاولة ممنهجة لتفكيك قضية اللاجئين والإجهاز على حق العودة، مشيراً إلى أن ذلك يترافق مع إغلاق مكاتب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إضافة إلى إغلاق نحو 37 مؤسسة محلية ودولية تُعنى بشؤون اللاجئين، في إطار مساعٍ واضحة لشطب البعد الإنساني والسياسي لقضية اللجوء.
وحول السيناريوهات المتوقعة في حال توسيع عمليات السيطرة العسكرية، حذّر سويطي من أن استمرار استهداف المخيمات أو توسيع العمليات لتشمل باقي الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية سيقود حتماً إلى انفجار شامل، مؤكداً أن هذه السياسات قد تدفع الفلسطينيين نحو توحيد صفوفهم على نهج المقاومة بكافة أشكالها.
وأشار إلى أن التصعيد الإسرائيلي المتواصل قد يشكّل عاملاً ضاغطاً لإنهاء حالة الانقسام الداخلي، ويفرض على الفلسطينيين التوافق على برنامج وطني موحد لمواجهة المخاطر المتصاعدة التي تستهدف الأرض والإنسان والقضية الفلسطينية برمتها.


التعليقات : 0