غزة / معتز شاهين:
قلّص "مجلس السلام" خطته الأولية لإعادة إعمار قطاع غزة من مشروع شامل إلى ترتيبات محدودة تتركز في مدينة رفح، المنطقة الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، في خطوة أثارت تساؤلات حول دوافع هذا التحول، وما إذا كان مرتبطًا بعقبات التمويل والتنفيذ، أم بتعقيدات سياسية وأمنية فرضتها تطورات الحرب.
ويأتي هذا التراجع في وقت تواجه فيه غزة حجمًا هائلًا من الدمار والاحتياجات الإنسانية، ما جعل ملف إعادة الإعمار يتجاوز البعد الإغاثي إلى حسابات سياسية مرتبطة بمستقبل القطاع. وبينما يعزو مراقبون هذا التحول إلى مخاوف المانحين وشروط الأطراف المؤثرة، يرى اخرون أن تقليص الخطة يحمل دلالات بشأن طبيعة الترتيبات المطروحة للمرحلة المقبلة، وانتقال الأولوية من إعادة بناء غزة بشكل شامل إلى إدارة واقع مؤقت ومحدود.
وفي هذا السياق، اعتبر محللان سياسيان، في حديثين منفصلين مع صحيفة "الاستقلال"، أن تقليص الخطة لا يرتبط فقط بالجوانب الفنية أو المالية، بل يعكس تشابكًا بين الاعتبارات الأمنية والسياسية التي تحكم ملف غزة في المرحلة الراهنة.
وبحسب تقرير لصحيفة "الغارديان"، استبدل "مجلس السلام" التابع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشروع إعادة الإعمار الشامل بخطة تجريبية محدودة لإقامة مخيم مؤقت قرب مدينة رفح، على أن يُدار عبر جهة فلسطينية بمشاركة قوة أمنية دولية وقوة شرطة فلسطينية.
وأشارت الصحيفة إلى أن الخطة الجديدة جاءت بعد أشهر من الجمود، في ظل تعثر المشاريع الأوسع بسبب العقبات المالية وتأخر تعهدات المانحين. كما أوضحت أن التصور الحالي نوقش خلال اجتماعات عقدت في قبرص قبل أسبوعين، بمشاركة شخصيات دولية وأعضاء من اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
ووفق التقرير، ستتولى قوة الاستقرار الدولية والشرطة الفلسطينية مهام الأمن عند المعبر الفاصل بين مناطق إدارة حركة حماس والمخيم، وسط توقعات باستمرار الدور الإسرائيلي في تحديد ترتيبات اختيار أفراد القوة الأمنية.
ثقة مفقودة
أكدت الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن تراجع "مجلس السلام" عن خطته الأولية لإعادة إعمار قطاع غزة وتقليصها إلى مشروع محدود للمساكن المؤقتة في جنوب القطاع، يعكس تعقيدات سياسية وأمنية ومالية، أبرزها فقدان ثقة الممولين الدوليين بإمكانية تنفيذ خطة شاملة في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار.
وأوضحت عودة لـ"الاستقلال" أن السبب الرئيسي وراء التراجع يتمثل في رفض الجهات المانحة، لا سيما الدولية والخليجية، تمويل مشاريع إعادة الإعمار قبل تحقق شروط أساسية، من بينها الانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي من القطاع، ووقف العمليات العسكرية نهائيًا، وضمان تسلم لجنة غزة مهام إدارة القطاع رسميًا بدلًا من حركة حماس.
وأضافت أن استمرار الحرب يثير مخاوف المانحين من تعرض المنشآت الجديدة للتدمير مجددًا، ما يجعل ضخ استثمارات ضخمة في المرحلة الحالية مخاطرة كبيرة، ويحد من قدرة "مجلس السلام" على تنفيذ خطته الأصلية.
وأشارت إلى أن الضغوط الإسرائيلية تمثل عاملًا إضافيًا في تقليص الخطة، في ظل اشتراط إسرائيل المضي في إعادة الإعمار بعد نزع سلاح الفصائل بشكل كامل، وهو شرط لا يستطيع المجلس فرضه في المرحلة الراهنة، ما دفع نحو تبني خيار المساكن المؤقتة للنازحين داخل ما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء" جنوب القطاع.
وترى عودة أن حصر المشروع في رفح الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية يحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الإنساني، إذ يعكس، وفق تقديرها، غياب مؤشرات على انسحاب إسرائيلي قريب من القطاع، مع احتمال استمرار التحركات العسكرية بما قد يدفع مزيدًا من السكان نحو مناطق الجنوب.
وحول مستقبل الخطة، رجحت استمرار هذا النهج خلال المرحلة المقبلة، مع احتمال إدخال تعديلات إضافية، سواء عبر تأجيل عمل لجنة غزة أو تغيير بعض أعضائها، إلى جانب زيادة التأثير الإسرائيلي على قرارات "مجلس السلام" المتعلقة بإدارة ملف غزة وإعادة إعمارها.
وحذرت عودة من أن تحويل خطة إعادة الإعمار من مشروع شامل إلى حلول إسكانية مؤقتة يعكس حجم التحديات السياسية والأمنية التي تعيق إطلاق عملية إعادة إعمار حقيقية، في ظل غياب تسوية سياسية وضمانات تسمح للممولين بالاستثمار بثقة في مستقبل القطاع.
تعقيدات سياسية
بدوره، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي أ. عدنان الصباح أن تراجع "مجلس السلام" عن خطته الأولية لإعادة إعمار غزة لا يمكن فصله عن التحولات السياسية والأمنية التي فرضتها الحرب، مؤكدًا أن التغيير يعكس انتقالًا من الحديث عن إعادة إعمار شاملة إلى إدارة تداعيات الأزمة وفق اعتبارات سياسية وأمنية.
وأوضح الصباح خلال حديثه مع "الاستقلال" أن المبادرات المطروحة منذ اندلاع الحرب، سواء المتعلقة بوقف القتال أو إدارة مرحلة "اليوم التالي"، تُقرأ لدى بعض الباحثين باعتبارها جزءًا من مسار يركز على إعادة تشكيل الواقع السياسي في غزة أكثر من معالجة جذور الصراع.
وأضاف أن تقليص الخطة يعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية المحيطة بالملف، سواء من خلال شروط مرتبطة بالوضع الأمني أو تعقيدات التمويل والتنفيذ في ظل استمرار العمليات العسكرية وغياب ضمانات الاستقرار.
وأشار الصباح إلى أن حصر المشروع في رفح يحمل دلالات سياسية، إذ يوحي بأن الأولوية لم تعد إعادة إعمار القطاع بأكمله، وإنما إدارة مناطق محددة وفق ترتيبات أمنية خاصة، ما يثير تساؤلات حول مستقبل الإدارة المدنية وتوزيع السكان.
وأضاف أن الجمع بين استنزاف المقاومة، وإضعاف البنية الاجتماعية والاقتصادية في غزة، وربط إعادة الإعمار بشروط سياسية وأمنية، يمثل -وفق هذه القراءة- عناصر مترابطة ضمن رؤية تهدف إلى إعادة صياغة مستقبل القطاع بما يتوافق مع الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، مع تأجيل ملفات الحل السياسي وإنهاء الاحتلال.
وفيما يتعلق بمستقبل الخطة، رجح الصباح استمرار التعديلات عليها خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا في حال استمرار العمليات العسكرية أو تعثر التفاهمات السياسية، بما قد يؤدي إلى مزيد من تقليص المشاريع أو إعادة صياغتها وفق


التعليقات : 0