رحلة البحث عن صورة CT في غزة.. انتظار يهدد حياة المرضى

رحلة البحث عن صورة CT في غزة.. انتظار يهدد حياة المرضى
القدس واللاجئين

غزة / دعاء الحطاب:

لم يعد الحصول على صورة أشعة مقطعية (CT) في قطاع غزة إجراءً طبيًا اعتياديًا، بل تحول إلى رحلة انتظار قد تمتد لأشهر، في وقت لا ينتظر فيه المرض أحدًا. فمع تدمير معظم أجهزة التصوير ونقص قطع الغيار، يجد مئات المرضى أنفسهم عالقين بين الألم وتأخر التشخيص، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى تدهور أوضاعهم الصحية وفقدان فرص العلاج المبكر. وتكشف قصص المرضى أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الإمكانات الطبية، بل أصبحت تهدد حياة المصابين بأمراض خطيرة، من بينهم مرضى الأورام والإصابات الطارئة.

كان أبو أحمد الخطيب (40 عامًا) يظن أن آلام البطن الحادة التي داهمته في مارس/آذار 2025 مجرد وعكة صحية عابرة، قبل أن تتحول إلى بداية رحلة شاقة انتهت بتشخيص إصابته بسرطان الأمعاء بعد أشهر من الانتظار.

في ذلك اليوم، فقد أبو أحمد وعيه من شدة الألم، فنقلته عائلته بسيارة إسعاف إلى مجمع الشفاء الطبي، حيث أبلغهم الأطباء بأن التشخيص الأولي يشير إلى انفجار في المرارة، ليخضع على الفور لعملية جراحية عاجلة.

مكث أسبوعًا ونصف الأسبوع على سرير المستشفى بين الحياة والموت، معتقدًا أن معاناته أوشكت على الانتهاء، لكن الألم عاد بعد أيام قليلة بصورة أشد، حتى بات عاجزًا عن الوقوف أو النوم أو التقاط أنفاسه.

عاد إلى الطبيب الذي أجرى له العملية، وأُجريت له فحوصات عدة، إلا أن نتائجها لم تكشف سبب ما يعانيه، وأُبلغ بأن الآلام قد تكون من مضاعفات الجراحة، فعاد إلى منزله وهو يحمل وجعه وأسئلة بلا إجابات.

لم يلبث أن فقد وعيه مجددًا بعد أسبوع من تدهور حالته، ليعود إلى المستشفى حيث أكد الأطباء حاجته الماسة إلى إجراء تصوير بالأشعة المقطعية (CT)، إلا أن الحصول على هذا الفحص كان بداية معاناة جديدة.

يقول أبو أحمد لـ"الاستقلال": "بدأت أتنقل بين المستشفيات بحثًا عن جهاز يعمل، وفي كل مرة كنت أسمع الإجابة نفسها: الجهاز معطل أو غير متوفر."وبعد رحلة بحث طويلة، علم أن الجهاز الوحيد العامل موجود في مستشفى يافا، إلا أن المواعيد كانت ممتدة لأشهر.

ويضيف: "انتظرت شهرين ونصف حتى جاء دوري، وكل يوم كنت أشعر أن المرض يسبقني وأن الوقت يضيع من بين يدي."

وعندما خضع للفحص أخيرًا، حملت النتيجة خبرًا غيّر مجرى حياته؛ فقد كشفت الأشعة إصابته بسرطان في الأمعاء وصل إلى مرحلة متقدمة.ويقول بحسرة: "لو أجريت صورة الـ(CT) في وقت مبكر، ربما اكتُشف المرض قبل أن يتفاقم، وكانت فرص علاجي أكبر، لكن التأخير جعل وضعي الصحي أكثر صعوبة."

ورغم حصوله على تحويلة طبية عاجلة للعلاج خارج قطاع غزة منذ أشهر، لا يزال ينتظر السماح له بالسفر، فيما يواصل المرض تقدمه، في ظل غياب العلاج اللازم داخل القطاع.

وينظر أبو أحمد إلى أطفاله قبل أن يختصر أمنيته بجملة واحدة: "لا أريد سوى فرصة للعلاج... قبل فوات الأوان."

ولا تمثل قصة أبو أحمد حالة استثنائية، بل تعكس واقعًا يعيشه عشرات المرضى يوميًا، حيث أصبح تأخر الحصول على صورة الأشعة المقطعية أحد أبرز التحديات التي تعيق التشخيص المبكر، وتقلص فرص العلاج، في ظل أزمة متفاقمة تضرب المنظومة الصحية في قطاع غزة.

أوجاع الانتظار

ولا تقتصر أزمة نقص أجهزة التصوير المقطعي على مرضى الأورام، بل تمتد لتشمل الأطفال والحالات الطارئة التي يعتمد علاجها على التشخيص السريع، كما حدث مع الطفل ياسين، ذي الأعوام السبعة، الذي يرقد على سرير في قسم الأطفال بمستشفى شهداء الأقصى، بينما تلازم والدته سريره مترقبة موعدًا قد يحدد مصير حالته الصحية.

تقول والدته، أم ياسر نجم، إن طفلها كان يلعب مع أصدقائه قبل ثلاثة أسابيع عندما فقد توازنه وسقط على الأرض، ومنذ ذلك اليوم يعاني آلامًا شديدة في الرأس، دون أن يتمكن الأطباء من تحديد سببها.

وتضيف لـ"الاستقلال": "أخبرنا الأطباء أن ياسين بحاجة إلى صورة أشعة مقطعية بشكل عاجل، لأنهم يشتبهون بوجود كسر في الجمجمة أو نزيف داخلي، لكن مستشفى شهداء الأقصى لا يضم جهاز تصوير مقطعي يعمل."

لم تتوقف رحلة الأم عند هذا الحد، إذ توجهت إلى مستشفى يافا، حيث يعمل الجهاز الوحيد المتاح، لتفاجأ بأن جميع المواعيد محجوزة لأشهر.

وتقول: "أبلغوني أن أقرب موعد بعد شهرين، وبعد محاولات متكررة، وبسبب خطورة حالة ابني، حصلنا على موعد بعد شهر، وهذا يُعد موعدًا قريبًا مقارنة بآلاف المرضى المنتظرين."

وتؤكد أن انتظار موعد الفحص أصبح معاناة يومية، لأن الأطباء لا يستطيعون استكمال خطة العلاج قبل معرفة نتائج التصوير.

وتضيف: "حتى اليوم لا نعرف ما الذي يعانيه ابني، وكل ما أخشاه أن يتعطل الجهاز قبل أن يحين موعدنا."

ثم تنظر إلى طفلها وتختتم حديثها بقلق: "إذا كان ابني مضطرًا لانتظار دوره، فكيف يمكن لوجعه أن ينتظر؟"

وتعكس قصة ياسين جانبًا آخر من الأزمة التي تعصف بالقطاع الصحي في غزة، حيث بات تأخر الفحوصات التشخيصية يهدد مرضى الحوادث والأطفال، إلى جانب أصحاب الأمراض المزمنة والأورام، في ظل عجز المستشفيات عن تلبية الطلب المتزايد على خدمات التصوير الطبي.

ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن مئات المرضى يحتاجون يوميًا إلى إجراء تصوير بالأشعة المقطعية، إلا أن محدودية الأجهزة العاملة، وتعطل بعضها بشكل متكرر، ونقص قطع الغيار، أدت إلى إطالة قوائم الانتظار، الأمر الذي يؤخر تشخيص العديد من الحالات، ويؤثر في فرص تلقي العلاج في الوقت المناسب.

منظومة متعطلة

ولا ترتبط أزمة الحصول على صور الأشعة المقطعية في قطاع غزة بارتفاع أعداد المرضى فحسب، بل تعود في المقام الأول إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالمنظومة الصحية جراء الحرب، والتي أخرجت معظم أجهزة التصوير الطبي عن الخدمة.

فقد تعرضت مستشفيات حكومية وأهلية ومجمعات طبية للقصف، ما أدى إلى تدمير أجهزة التصوير المقطعي (CT)، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، والأشعة السينية، الأمر الذي قلّص قدرة القطاع على تشخيص آلاف المرضى، وألقى بعبء متزايد على ما تبقى من أجهزة تعمل بإمكانات محدودة.

ويقول رئيس قسم المعلومات في وزارة الصحة بقطاع غزة، زاهر الوحيدي، إن الاحتلال دمّر 11 جهاز تصوير مقطعي من أصل 17 جهازًا كانت تخدم أكثر من مليوني مواطن قبل الحرب.

ويضيف أن الأجهزة الستة المتبقية لا تعمل بكفاءة مستقرة، إذ تتعرض لأعطال متكررة نتيجة الضغط الهائل الواقع عليها، في ظل النقص الحاد في قطع الغيار اللازمة للصيانة، ما يؤدي إلى إطالة فترات انتظار المرضى للحصول على الفحص.

ويشير الوحيدي إلى أن قطاع غزة يفتقر بشكل كامل إلى أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، وهو ما يحرم مئات المرضى من فحوصات تشخيصية أساسية، ويؤخر اكتشاف العديد من الأمراض ووضع الخطط العلاجية المناسبة لها.

ويؤكد أن استمرار تعطل الأجهزة، إلى جانب محدودية الإمكانات الطبية، يفرض تحديات متزايدة على الطواقم الصحية التي تحاول التعامل مع أعداد كبيرة من المرضى، رغم النقص في المعدات والإمدادات الفنية اللازمة لتشغيل الأجهزة وصيانتها.

التعليقات : 0

إضافة تعليق