غزة/ دعاء الحطاب
كبر وكبر هم البلاد بقلبه، لكنه لم ييأس أو يستسلم، وضع حلماً نصب عينيه وسعي لاستكماله، وكلما تكاسل أو واجهته ظروف عصيبة استذكر صورة أبناء شعبة الذين يُقتلون ويُعذبون بأرضهم، وجعل منها حافزاً كي يواصل مسيرته التعليمية، وصولاً إلى الثانوية العامة التي تؤهله للالتحاق بكلية القانون، التي تعد أول محطات حلمة الأكبر بمقاضاة ومحاسبة الاحتلال على جرائمه بحق أبناء شعبة.
وقبل أيامٍ معدودة، من انطلاق امتحانات الثانوية العامة، بدد الاحتلال حُلم الطالب مهند أبو طاحون، برصاصة غادرة اخترقت راسة ووضعت حداً لحياته، أثناء تواجده في مليونيه العودة على الحدود الشرقية لمخيم البريج وسط القطاع، لينال الشهادة قبل أوانها.
ولم يكن الطالب الشهيد " أبو طاحون" وحده الذي دمر الاحتلال الإسرائيلي حلمه بنيل شهادة علمية مرموقة، اذ ارتقى الطالبان بلال الاشرم وإبراهيم الزرقة شهدين برصاصاتٍ اخترقت جسديهما في مليونيه العودة في الرابع عشر من مايو الجاري.
وتوجه صباح السبت الماضي، نحو 76 ألف طالب وطالبة لتقديم امتحانات الثانوية العامة في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة للعام الدراسي الجاري 2017-2018، في حين بقيت مقاعد الشهداء الثلاثة فارغة وكٌتب عليها " مقعد شهيد فاز بالشهادة الكبرى".
" أخذ الشهادة الكبيرة"
بإصرارٍ كبير وجهدٍ مضاعف، كان " مهند" يستعد لتقديم امتحانات الثانوية العامة" منازل" بعد انقطاعه عن التعليم لعامين، لكن دراسته لم تثنه عن واجبه الوطني والمشاركة بالتظاهرات السلمية التي تُطالب بحق العودة وكسر الحصار.
وتقول والدة الشهيد لـ"الاستقلال" بحسرة:" مهند كان بحب بلده كتير، وبتمني انه يطلع محامي ناجح عشان يفضح جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين ويحاسبهم عليها، لذلك كان يحرص كثيراً على دراسته، فقد كان يقضي الليل كله بالدراسة لإنهاء جزء كبير من المنهج، ليشارك نهارا بمسيرات العودة".
رصاصة غادرة من النوع المتفجر أطلقها قناص اسرائيلي صوب رأس "مهند"، جعلته يرقد في غيبوبة عشرة أيام، وأبعدته عن الجلوس داخل قاعات امتحان الثانوية العامة، حيث جرى تحويله من غزة إلى المستشفى الأهلي في الخليل في الضفة الغربية لتلقي العلاج، إلى أن أعلن عن ارتقائه شهيداً الخميس الماضي.
وتتابع الأم المكلومة، بصوتٍ حزين على فراق نجلها:" كل يوم جمعة كان مهند يشارك بمسيرات العوة، كنت أقوله يما اقعد بالدار وانتبه لدراستك، كان يرد:" يما ما تقلقي والله انا بدرس منيح ومنظم وقتي، وان شاء الله راح تكون شهادتي حلوة وترفع راسك".
وفي نهاية حديثها، أردفت: "ما كنت بتوقع أنه يأخذ شهادة غير شهادة الثانوية العامة، الحمد الله أخذ الشهادة الكبيرة وفخورة فيه".
عرس الشهادة
أما الشهيد بلال الاشرم فكان يتوقع أن يكون من أوائل الثانوية العامة في قطاع غزة، ليحقق رغبته بدراسة الطب في جامعة " أكسفورد" البريطانية، إلا أن رصاصة حقد صهيونية عاجلته قبل أن يتمكن من تقديم امتحانات التوجيهي، وتحقيق حلمه الذي لطالما تمناه، حيث استشهد في اليوم الثاني من مليونية العودة.
وتقول والدة الشهيد بلال لـ"الاستقلال": " بلال كل جمعه كان بشارك بمسيرات العودة، لكن بعد فترة شعرت بالخوف الشديد عليه ومنعته انا ووالده من المشاركة، وفي يوم مليونيه العودة أصر بشكل كبير على المشاركة لكننا لم نسمح له بالخروج من المنزل".
وبعيونٍ مُحمرة من شدة الحزن، تُكمل حديثها:" في فجر يوم الثلاثاء 15/5، كان بلال بدرس قلت اله يما قوم نام شوي وارتاح بعدين بتكمل" رد عليا " لا يما ما معي وقت كتير بدي أخلص وبعدين بنام كتير"، وبعد ساعات طلع لتشييع جثمان أحد الشهداء في شارعنا"، مستدركة بغصة:" طلع ورجعلى محمل على الأكتاف، قالوا بلال استشهد وبدنا نحضر لتشييعه".
بصوتٍ يعتريه الألم، أضافت:" كنت بستنى ينجح بتوجيهي عشان أحول مخيم النصيرات إلى أفراح، وعدته أعمله أجمل حفلة بالمخيم لأنه ابني المدلل، لكن عرس الشهادة طلع أحلى من حفلة النجاح، بالرغم من الحزن العميق الذي احتل قلوبنا منذ رحيله"، مشيرةً إلى أن غيابه اليوم عن التجهز للامتحانات كان أصعب من وقع استشهاده.
وتصف الوالدة ابنها الشهيد بأنه طيب القلب بشوش الوجه وعلى علاقة طيبة بعائلته، كان شاباً طموحاً ذكياً متفوقاً بدراسته محبوباً من أساتذته وزملائه في المدرسة.
وفي تغريده عبر واقع التواصل الاجتماعي " فيسبوك"، كتب مدرس التربية الدينية، الذي قام بتدريسه لمدة عامين، الأستاذ رائد غنيم، يقول: "جاءني بعد امتحانات التجريبي الأخيرة، وسألني: كيف علامتي يا أستاذ؟ قلت له: رائعة! سألني: فوق التسعين؟! قلت له: نعم فوق التسعين، فأعاد السؤال: يعني فوق الخمسة وتسعين؟ قلت له: وبعدين معك يا بلال؟ فأعاد السؤال بابتسامته المعهودة، وبلهفته المعتادة: فوق الخمسة وتسعين يا أستاذ؟ قلت له: نعم فوق الخمس وتسعين، فمضى وهو يغني: فُوق. فُوق. فُوق!


التعليقات : 0