العدوان الإسرائيلي على الخليل.. عملية عسكرية تتجاوز حسابات الأمن إلى مشروع الضم

العدوان الإسرائيلي على الخليل.. عملية عسكرية تتجاوز حسابات الأمن إلى مشروع الضم
تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:
يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليته العسكرية الواسعة في مدينة الخليل ومحافظتها جنوبي الضفة الغربية المحتلة، وسط إخلاء عائلات فلسطينية من منازلها، وهدم منشآت، وإغلاق طرق ومداخل رئيسية. وبينما تبرر حكومة الاحتلال هذه الإجراءات بضرورات أمنية، وتقول إنها تستهدف ملاحقة منفذي العمليات ومنع هجمات مستقبلية، تثير طبيعة التدابير المتخذة واتساع نطاقها تساؤلات بشأن أهدافها وتداعياتها على الواقع الفلسطيني في المحافظة.
وفي هذا السياق، يرى مختصان بالشأن الاسرائيلي تحدثا لـ "الاستقلال" أن العملية تتجاوز المبررات الأمنية المعلنة، في ظل مخاوف من توظيفها لتعزيز السيطرة الإسرائيلية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وقال المختصان، "إن ما يجري في الخليل لا يمكن فصله عن توجهات حكومة بنيامين نتنياهو تجاه الأراضي الفلسطينية، ولا سيما مساعي ضم الضفة الغربية وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية". وحذّرا من أن استمرار التهجير والإغلاقات قد يفضي إلى تغييرات سكانية وجغرافية تتجاوز آثارها مدة العملية العسكرية.
وتتواصل العملية منذ الجمعة، 23 أكتوبر/تشرين الأول، عقب عملية إطلاق نار قرب الخليل أسفرت، وفق المعطيات الإسرائيلية، عن مقتل جنديين وإصابة ثلاثة آخرين، فيما استشهد منفذا العملية. وعقب ذلك، أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس توسيع العمليات العسكرية، وفرض الجيش إغلاقات مشددة على المدينة وبلدة حلحول المجاورة، بالتزامن مع تهديدات إسرائيلية باتخاذ إجراءات إضافية.
وامتدت الإجراءات إلى مناطق دير بحة والجلدة وخلة المغاربة، إلى جانب إغلاق مداخل وطرق في الخليل ومحيطها. فيما أجبرت قوات الاحتلال نحو 1500 مواطن على إخلاء منازلهم في منطقتي دير بحة والجلدة، فيما نزحت أكثر من 200 عائلة، وسط مخاوف من اتساع نطاق التهجير. كما طالت الإجراءات منازل ومنشآت تجارية، ونُفذت عمليات مداهمة وتفتيش واعتقال.
وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن مدى تناسب الإجراءات المتخذة مع الأهداف الأمنية التي تعلنها إسرائيل، في ظل امتداد آثارها إلى المدنيين وممتلكاتهم وحرية حركتهم، وما تفرضه من أعباء على العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها.
أهداف تتجاوز الملاحقة الأمنية
واعتبر المختص بالشأن الإسرائيلي د. عدنان الأفندي أن العملية العسكرية في الخليل لا تقتصر على ملاحقة منفذي الهجوم أو منع هجمات مستقبلية، بل تأتي في سياق سياسة أوسع تستهدف فرض وقائع جديدة على الأرض، انسجاماً مع توجهات حكومة نتنياهو الرامية إلى ضم الضفة الغربية وفرض القانون الإسرائيلي فيها.
وقال الأفندي لـ "الاستقلال" إن استهداف الخليل لا يمكن فصله عن سياسة حكومة الاحتلال تجاه الأراضي الفلسطينية، مشيراً إلى أن ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة يرتبط بتوجهات سياسية تتجاوز الاعتبارات الأمنية الآنية.
وأضاف أن العملية، لا تمثل رداً طارئاً على الهجوم الأخير، بل تأتي في سياق توجهات ومخططات سبقت وقوعه، مستشهداً بتصريحات سابقة لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بشأن الفلسطينيين ومستقبل الأراضي المحتلة.
وفي قراءته للمبررات الإسرائيلية، أشار الأفندي إلى أن تهجير العائلات وهدم المباني وإغلاق الطرق تطرح تساؤلات بشأن الأهداف الفعلية للعملية، خصوصاً أن تداعياتها امتدت إلى السكان وممتلكاتهم وحركتهم اليومية، ولم تقتصر على ملاحقة المشتبه في تنفيذهم الهجوم.
ورأى أن اتساع نطاق الإجراءات يعزز المخاوف من توظيف الاعتبارات الأمنية لتحقيق أهداف سياسية أوسع، لافتاً إلى تصريحات إسرائيلية استهدفت السلطة الفلسطينية والفلسطينيين عموماً، فضلاً عن حديث نتنياهو عن وجود «مفاجأة» للسلطة الفلسطينية.
وحذّر الأفندي من أن استمرار هذه السياسة قد يفاقم الضغوط على الفلسطينيين ويزيد من تعقيد الأوضاع الميدانية والسياسية، مؤكداً ضرورة قراءة ما يجري في الخليل ضمن سياق التوجهات الإسرائيلية الأوسع تجاه الضفة الغربية.
التهجير وتغيير الوقائع
من جانبه، رأى الكاتب والخبير في الشأن الإسرائيلي د. عمر جعارة أن العملية العسكرية في الخليل تتجاوز ملاحقة منفذي الهجوم، وتندرج ضمن سياسة تستهدف الوجود الفلسطيني وتسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، في ظل استمرار التهجير وهدم المباني وإغلاق الطرق.
وقال جعارة لـ "الاستقلال"، إن الإجراءات الإسرائيلية تأتي في سياق سياسة حكومة نتنياهو تجاه الأراضي الفلسطينية، معتبراً أنها تعكس توجهاً نحو توسيع السيطرة على الضفة الغربية وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية.
وأضاف أن الاعتداءات والإجراءات الإسرائيلية لا يمكن تفسيرها حصراً بذرائع أمنية مرتبطة بحوادث محددة، بل ينبغي النظر إليها في ضوء تصريحات مسؤولين إسرائيليين بشأن مستقبل الضفة الغربية، وما تكشفه من توجهات لتغيير واقعها السياسي والجغرافي.
وتتقاطع قراءة جعارة مع ما طرحه الأفندي بشأن الفجوة بين المبررات الأمنية الإسرائيلية والتداعيات الميدانية للعملية؛ إذ يرى المختصان أن اتساع نطاق الإخلاء والهدم والإغلاق يستدعي النظر إلى ما يتجاوز الرواية الإسرائيلية التي تحصر العملية في ملاحقة المسلحين، ولا سيما في ضوء آثارها على الوجود الفلسطيني وحرية الحركة والاستقرار في المدينة.
وشدد جعارة على أن بقاء الفلسطينيين في أرضهم يمثل تحدياً للمشروع الإسرائيلي الساعي إلى توسيع السيطرة على الأرض الفلسطينية، مستحضراً الجدل الدولي بشأن ضم الضفة الغربية والمواقف الرافضة لهذه الخطوة.
وفيما يتعلق بالتوقيت السياسي، أشار جعارة إلى أن السياسات الإسرائيلية المتشددة تجاه الفلسطينيين تعكس نهجاً حكومياً يتجاوز الملاحقة الأمنية. ويتزامن التصعيد مع الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، في ظل حضور الملف الأمني في الخطاب السياسي، غير أن هذا التزامن لا يكفي وحده للجزم بأن الاعتبارات الانتخابية تشكل الدافع المباشر للعملية.
وتبقى التداعيات الأهم للعملية مرتبطة بمصير العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها، وإمكانية عودتها إليها، ومدى استمرار القيود المفروضة على الحركة بعد انتهاء العمليات العسكرية. وبينما تقدم إسرائيل ملاحقة المسلحين ومنع هجمات جديدة باعتبارهما هدفين للعملية، تثير الإجراءات المتخذة مخاوف فلسطينية من أن تترك آثاراً طويلة الأمد على الواقع السكاني والجغرافي للخليل، وأن تسهم في توسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق