الانتخابات الإسرائيلية..  وجوه تتنافس وسياسات تضغط على الفلسطينيين

الانتخابات الإسرائيلية..  وجوه تتنافس وسياسات تضغط على الفلسطينيين
تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:

لا يبدو أن تبدّل القيادة في كيان الاحتلال سيحمل بالضرورة تغييرًا جوهريًا في السياسات تجاه الفلسطينيين؛ فسواء بقي "بنيامين نتنياهو" في الحكم أو وصل "غادي إيزنكوت" إلى رئاسة الحكومة، فإن الفارق قد يكون في طريقة إدارة الصراع، لا في الأهداف التي تحكمه. وبينما يتنافس الرجلان على قيادة المرحلة المقبلة، تبقى غزة والضفة الغربية أمام احتمالات استمرار الحرب والضغط والاستيطان، وإن اختلفت الأدوات والحسابات السياسية من حكومة إلى أخرى.

ويرى مختصان تحدثا لـ"الاستقلال"، أمس الأربعاء، أن التنافس الانتخابي الإسرائيلي لا يعني وجود بديل يحمل توجهًا مختلفًا جذريًا تجاه الفلسطينيين، إذ قد يسعى "إيزنكوت" إلى إدارة أكثر مرونة لبعض الملفات وتحسين علاقات "إسرائيل" الدولية، لكن ذلك لا يضمن وقف الحرب على غزة أو إنهاء الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية. وبذلك، فإن تغيير رئيس الحكومة قد يبدّل أسلوب التعامل مع الفلسطينيين، من دون أن يقود بالضرورة إلى تغيير واقعهم أو الاستجابة لحقوقهم الوطنية.

وتأتي هذه التقديرات في وقت تتواصل فيه عملية فرز أصوات الانتخابات الإسرائيلية، وسط صعوبة حسم هوية الحكومة المقبلة. ووفق النتائج الأولية التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، تقدم المعسكر الذي يقوده "نتنياهو" في عدد المقاعد، لكنه لم يضمن الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، فيما بقي معسكر "إيزنكوت" دون أغلبية مستقلة أيضًا، ما يجعل التحالفات السياسية عاملًا حاسمًا في المرحلة المقبلة.

وفي خضم التنافس الانتخابي، تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية في غزة، حيث يستمر القصف وسقوط الشهداء، بالتزامن مع تشديد القيود على المعابر وعرقلة دخول المساعدات والسلع الأساسية. وفي الضفة الغربية، تتعرض الخليل لهجمة واسعة تشمل الاقتحامات والاعتقالات والتهجير، وسط تصاعد الاعتقالات اليومية في مناطق متفرقة، بما يعكس استمرار الضغوط الإسرائيلية على الفلسطينيين بصرف النظر عن هوية الحكومة المقبلة.

التغيير في الأسلوب لا الجوهر

ويرى المختص بالشأن الإسرائيلي د. سعيد أبو رحمة أن الخلاف بين "نتنياهو" و"إيزنكوت" يدور أساسًا حول طريقة إدارة الصراع وتداعياته، وليس بالضرورة حول إنهائه.، موضحا أن وصول إيزنكوت قد يفتح الباب أمام تغييرات في أسلوب التعامل مع الضغوط الأميركية والدولية ومستقبل غزة، لكن هذه التغييرات لا تعني تلقائيًا مراجعة سياسات الاستيطان والسيطرة أو القبول بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وأضاف أبو رحمة لـ "الاستقلال"، أن الانتخابات تعكس بالدرجة الأولى صراعًا داخليًا على القيادة ومحاسبة على الإخفاقات الأمنية والسياسية، أكثر مما تعكس رغبة حقيقية في تغيير السياسات تجاه الفلسطينيين. فالتنافس بين القوى الإسرائيلية يدور حول الطرف الأكثر قدرة على استعادة الأمن الإسرائيلي وإدارة الصراع بكفاءة أكبر، وليس حول إنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

وأشار إلى أن تغيير رئيس الحكومة قد يؤدي إلى تبدل في أسلوب إدارة الصراع وأدواته، لكنه لا يغيّر مضمونه تلقائيًا، معتبرًا أن المعيار الأساسي يتمثل في مدى استعداد الحكومة المقبلة لمراجعة سياسات الاستيطان والسيطرة ورفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وفيما يتعلق باحتمالات وصول "إيزنكوت"، أوضح أبو رحمة أن خلفيته العسكرية واعتباراته المرتبطة بالأمن والردع قد تدفعانه إلى إدارة الصراع بصورة مختلفة، مع استعداد أكبر للتعامل مع الضغوط الأميركية والدولية، وإعادة تنظيم العلاقة بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية، والبحث عن ترتيبات لمرحلة ما بعد الحرب في غزة.

لكنه شدد على أن هذه التغييرات المحتملة لا تعني تبني مشروع لإنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة، موضحًا أن الفارق بين إيزنكوت ونتنياهو قد يتمثل في درجة البراغماتية وطريقة اتخاذ القرار وحجم تأثير الحسابات الشخصية والائتلافية، أكثر من كونه اختلافًا جذريًا في الأهداف الاستراتيجية.

ثلاثة سيناريوهات

وطرح أبو رحمة ثلاثة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة؛ أولها استمرار الوضع القائم مع تعديلات تكتيكية، بحيث يتواصل الضغط العسكري والأمني على غزة، بالتوازي مع ترتيبات محدودة للمساعدات وإعادة الإعمار، فيما يستمر الاستيطان والتصعيد الأمني في الضفة الغربية.

ويتمثل السيناريو الثاني في الانتقال إلى إدارة مختلفة للصراع، خصوصًا إذا تشكلت حكومة أكثر استعدادًا للتفاهم مع واشنطن والأطراف الدولية بشأن مستقبل القطاع، بما قد يتيح إعادة الإعمار وإقامة إدارة فلسطينية انتقالية، ولكن ضمن قيود أمنية إسرائيلية، دون أن يعني ذلك استعادة الفلسطينيين سيادتهم أو التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في تعثر الترتيبات السياسية والأمنية وتجدد التصعيد العسكري، نتيجة الخلافات بشأن نزع السلاح ومستقبل الحكم في غزة وشكل الوجود الإسرائيلي في القطاع.

وحذّر أبو رحمة من استمرار مخاطر التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وتكريس السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، بصرف النظر عن هوية رئيس الحكومة، ما لم تظهر قرارات عملية تعكس تغييرًا في هذا النهج.

اختلاف الأساليب وثبات السياسة

من جانبها، ترى الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن الانتخابات الإسرائيلية تعكس تنافسًا على قيادة الحكومة وطريقة إدارة الملفات الأمنية والسياسية، أكثر مما تعكس اختلافًا جوهريًا في الموقف من الفلسطينيين. فبينما يتمسك "نتنياهو" بخطاب أمني متشدد، قد يسعى "إيزنكوت" إلى إظهار قدر أكبر من المرونة في التعامل مع بعض الملفات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة التخلي عن السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.

وأوضحت عودة لـ "الاستقلال" أن استمرار "نتنياهو" في الحكم قد يعني مواصلة توسيع المستوطنات ومحاولات التهجير، إلى جانب السعي لإنهاء الدور الحكومي والعسكري لحركة حماس في القطاع، سواء باستخدام القوة أو عبر ترتيبات سياسية وأمنية.

وفي المقابل، أشارت إلى أن وصول "إيزنكوت" قد يتيح قدرًا أكبر من المرونة في التعامل مع السلطة الفلسطينية، إلى جانب محاولة الحد من عنف المستوطنين لتحسين صورة "إسرائيل" دوليًا، لكنه لن يعني بالضرورة وقف الاستيطان أو استبعاد تنفيذ عمليات عسكرية في الضفة الغربية.

وأضافت أن "إيزنكوت" قد يسعى إلى تخفيف القيود على أموال المقاصة الفلسطينية للحفاظ على السلطة ومنع انهيارها، وتجنب اضطرار "إسرائيل" إلى إدارة شؤون السكان الفلسطينيين بصورة مباشرة.

وفي قراءتها لمستقبل القطاع، رجّحت عودة أن تمنح حكومة الاحتلال المقبلة "مجلس السلام" فرصة لمحاولة إقناع حماس بتسليم سلاحها ونقل الحكم إلى لجنة إدارة غزة، ضمن فترة زمنية محددة، ومن دون انسحاب إسرائيلي من القطاع أو المنطقة الصفراء.

وأضافت أن فشل هذه المساعي قد يدفع أي حكومة إسرائيلية، سواء بقيادة "نتنياهو" أو المعارضة، إلى شن عملية عسكرية تستهدف مناطق محددة من القطاع، تمهيدًا لإعلانها مناطق منزوعة السلاح وضمها إلى المنطقة الصفراء، مع احتمال السماح للقوات الدولية بالعمل فيها وعودة النازحين إليها تحت إشراف تلك القوات.

وقدّرت عودة أن هذا المسار قد يستمر بين 18 و36 شهرًا، وفق السيناريو الذي طرحته، قبل الانتقال إلى بحث مستقبل القطاع السياسي، وإمكانية انسحاب جيش الإحتلال منه، وترتيبات تسليم إدارته إلى حكومة انتقالية تابعة للسلطة الفلسطينية أو إلى "مجلس السلام".

ولفتت إلى أن طبيعة الحكومة المقبلة والتحالفات التي ستتشكل ستكون من أبرز العوامل المؤثرة في المرحلة القادمة، مشيرة إلى احتمال لجوء نتنياهو إلى تصعيد إقليمي، بما في ذلك شن حرب جديدة على إيران، للضغط على المعارضة ودفعها نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق