واشنطن تملك مفاتيح الضغط

اتفاق غزة بعد الانتخابات الإسرائيلية.. هل يتحرك ملادينوف لإنهاء التعطيل أم يستمر التسويف؟

اتفاق غزة بعد الانتخابات الإسرائيلية.. هل يتحرك ملادينوف لإنهاء التعطيل أم يستمر التسويف؟
تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:
مع انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، التي ارتبط بها تأجيل التحرك بشأن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تتجه الأنظار إلى دور منسق عملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف والوسطاء، ومدى استعداد الإدارة الأمريكية لاستخدام نفوذها للضغط على حكومة الاحتلال، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية وتعطيل الانتقال إلى المراحل التالية من الاتفاق، لا سيما دخول لجنة التكنوقراط إلى القطاع.
وعلى الرغم من الآمال التي عُلّقت على انتهاء الانتخابات كمدخل لتحريك الملفات العالقة، تبرز اليوم مخاوف جديّة من أن تتحول أزمة تشكيل حكومة الاحتلال وحساباتها السياسية إلى ذرائع جديدة لإطالة أمد التعطيل، وإبقاء غزة في دائرة التهدئة الهشة، دون الانتقال إلى تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالانسحاب والإدارة وإعادة الإعمار.
واتفق محللان بالشأن السياسي، تحدثا لصحيفة "الاستقلال"، أمس الأربعاء، على أن انتهاء الانتخابات لا يعني بالضرورة بدء تنفيذ الاتفاق، محذرين من استمرار المماطلة تحت ذرائع سياسية جديدة، ومؤكدين أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات الضغط الأكثر تأثيراً على الاحتلال، لكنها لا تستخدمها بالقدر الكافي لإلزامه بتنفيذ التزاماته.
وشدد المحللان على ضرورة الانتقال من الاتصالات والتصريحات إلى خطوات عملية تضمن تنفيذ الاتفاق، بما يشمل وقف الخروقات والتصعيد الإسرائيلي، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وتسهيل دخول لجنة التكنوقراط، والبدء بترتيبات الانسحاب وإعادة الإعمار، بدلاً من إبقاء القطاع رهينة التهدئة الهشة والمماطلة السياسية.
وكانت تقارير إعلامية قد كشفت في وقت سابق أن ملادينوف أبلغ الوسطاء بأن رفض الاحتلال المضي في تنفيذ بعض بنود الاتفاق ارتبط بالحسابات الانتخابية الإسرائيلية.
ونقلت صحيفة "الشرق" عن مصادر دبلوماسية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم وصفه اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بـ"التاريخي"، كان متمسكاً بتطبيقه، لكنه فضّل انتظار انتهاء الانتخابات وتشكيل حكومة الاحتلال الجديدة، معتبراً أن ذلك قد يهيئ الظروف المناسبة للتحرك.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن نتنياهو رفض تنفيذ الخطة خلال فترة الانتخابات، خشية أن تؤثر الانسحابات الإسرائيلية المطلوبة تمهيداً لنقل السلاح إلى لجنة التكنوقراط على موقف الناخبين، في وقت استثمرت فيه القوى المنافسة إخفاق حكومته في منع هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ضمن حملاتها الانتخابية.
وأشارت المصادر إلى أن واشنطن تفهمت الموقف الإسرائيلي وفضّلت الانتظار، مع السعي في الوقت ذاته إلى خفض مستوى التصعيد ومنع انهيار الاتفاق.
ذرائع التعطيل
واعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة أن انتهاء الانتخابات أزال أحد المبررات التي ارتبط بها تأجيل تنفيذ الاتفاق، موضحاً أن عدم إفراز النتائج أغلبية برلمانية واضحة، واستمرار المشاورات لتشكيل الحكومة، لا ينبغي أن يمنعا البدء بتنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
ودعا أبو رحمة، خلال حديثه مع "الاستقلال"، إلى وضع جدول زمني ملزم لمراحل الاتفاق، وانتقال ملادينوف من إدارة الاتصالات والتفاوض إلى دور أكثر فاعلية في مراقبة التنفيذ، وتحديد الطرف المسؤول عن تعطيل الاستحقاقات، والإعلان بوضوح عن المسؤوليات، مشيراً إلى أن مصداقية الاتفاق تُقاس بمدى انعكاسه على حياة الفلسطينيين، وليس بعدد الاجتماعات والبيانات.
في المقابل، رأى الكاتب والمحلل السياسي أ. عدنان الصباح أن البحث عن الذرائع لا يرتبط بالانتخابات وحدها، بل يمثل سياسة متعمدة لتأجيل أي اقتراب من الحل، معتبراً أن الاحتلال والولايات المتحدة وملادينوف سيجدون مبررات جديدة لإطالة الأزمة، سواء من خلال صعوبة تشكيل الحكومة الإسرائيلية، أو عدم استقرارها وحاجتها إلى وقت قبل اتخاذ قرارات أو تقديم تنازلات.
وأضاف الصباح، في حديثه مع "الاستقلال"، أن استمرار هذه السياسة يبقي الحرب على غزة قائمة بأشكال مختلفة، ويعمق الأوضاع الكارثية التي يعيشها الفلسطينيون، بما يخدم مشروع دفعهم نحو الهجرة، مؤكداً أن ملادينوف لا يمتلك قراراً مستقلاً أو أدوات حقيقية لإلزام الاحتلال، وإنما يتحرك ضمن حدود ترسمها القوى الأكثر تأثيراً.
واشنطن.. مفتاح الضغط
وفيما يتعلق بالدور الأمريكي، رأى أبو رحمة أن واشنطن تبدو معنية بالحفاظ على إطار الاتفاق ومنع انهياره الكامل، لكنها لا تمارس المستوى الكافي من الضغط لضمان الانتقال إلى مراحله السياسية والإدارية والأمنية، الأمر الذي يمنح الاحتلال مساحة للاستفادة من التهدئة الجزئية دون تنفيذ التزاماته كاملة.
أما الصباح، فذهب إلى قراءة أكثر تشدداً للموقف الأمريكي، معتبراً أن واشنطن ليست معنية بإنهاء حالة الصراع في المنطقة، بل تسعى إلى توظيف النزاعات والحروب وتعزيز شراكاتها الأمنية، بما يتيح لها فرض مصالحها ونفوذها على دول المنطقة، وليس على حكومة الاحتلال وحدها.
وحذر من أن غياب التحرك الجاد قد يدفع ملادينوف إلى طرح تعديلات على خارطة الطريق أو مقترحات جديدة تتعلق بمواقف حركة حماس وفصائل المقاومة، بما يعيد الاتفاق إلى دائرة التفاوض والبحث عن مخارج جديدة، بدلاً من إلزام الأطراف بما جرى الاتفاق عليه.
ودعا إلى مطالبة الدول العشرين التي شاركت في التوقيع على الخطة، وأعضاء ما يسمى "مجلس السلام"، بتحمل مسؤولياتهم والضغط لتنفيذ الاتفاق، بدلاً من تجاوز التفاهمات القائمة والعودة إلى نقطة الصفر.
وعلى صعيد فرص تنفيذ الاتفاق، حدد أبو رحمة ثلاثة مسارات محتملة؛ أولها تحرك دولي أكثر جدية تقوده واشنطن بالتنسيق مع مصر وقطر وتركيا، لفرض جدول زمني لتنفيذ المراحل المتبقية، وثانيها استمرار المماطلة وإدارة الأزمة، مع بقاء التهدئة هشة وتأجيل الملفات الأساسية.
أما المسار الثالث، فيتمثل في اختزال الاتفاق بالجانب الإنساني، من خلال التركيز على إدخال المساعدات والخيام لمواجهة تداعيات فصل الشتاء، مقابل استمرار تعطيل الملفات السياسية والإدارية والأمنية، وهو ما يعني معالجة آثار الأزمة دون الاقتراب من جذورها.
وتكشف مواقف المحللين أن انتهاء الانتخابات الإسرائيلية لا يشكل بحد ذاته ضمانة لتنفيذ الاتفاق، في ظل غياب الضغط الأمريكي الفاعل واحتمالات ظهور ذرائع جديدة لتعطيل استحقاقاته، ما يضع واشنطن وملادينوف والوسطاء أمام اختبار حقيقي لتحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات ملموسة تنهي معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة.
وفي هذا السياق، دعت حركة حماس، الوسطاء والإدارة الأمريكية وممثل ما يسمى "مجلس السلام"، نيكولاي ملادينوف، إلى التحرك الفوري لإلزام الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة وخارطة الطريق الخاصة به.
وأكدت الحركة أن انتهاء الانتخابات الإسرائيلية يزيل الذريعة التي كان يتذرع بها ملادينوف لتأجيل التحرك، مطالبةً بوقف التصعيد الإسرائيلي المتواصل ضد أهالي القطاع.
وشددت على ضرورة ممارسة ضغط عملي لإدخال لجنة التكنوقراط المكلفة بإدارة غزة، والموجودة في مصر منذ أشهر طويلة، بما يضمن البدء بتنفيذ التفاهمات المتفق عليها.

التعليقات : 0

إضافة تعليق