غزة/ دعاء الحطاب
مع توقف عقارب الساعة نحو الثانية فجراً، يحزم المسحراتي محمد حجيج أدواته البسيطة «عصا خشبية وطبلة» ليبدأ رحلته اليومية بين أزقة وحواري البلدة القديمة بالقدس المحتلة، يصدح بصوته الرنان « يا نايم وحد الدايم، يا نايم العمر مو دايم» على وقع ضربات طبلته الصغيرة التي اعتادت أن ترافقه كل رمضان.
صيحات المسحراتي « حجيج» تبعث الفرح والسعادة في قلوب أبناء القدس العتيقة، فبمجرد دخوله حارتهم يركض الأطفال إلى أبواب بيوتهم لمراقبة تحركاته وزيه، ويحفظون بعض ما يردده وقد يرافقونه في جولاته، لكن هذه الأجواء تُثير غضب جنود الاحتلال فيقومون بملاحقته واعتقاله بزعم إزعاج المستوطنين.
وتواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي استهداف مسحري البلدة القديمة في القدس المحتلة، بالاعتقال والاحتجاز وتحرير مخالفات مالية بحقهم، وتحذيرهم من العودة لممارسة ذات المهنة، وذلك بتهمة "ازعاج راحة المستوطنين" الذين يقطنون داخل منازل المقدسيين المسروقة.
"ستبقي أصواتنا تزعجهم"
المسحراتي محمد حجيج يقول: " منذ ثماني سنوات وأنا اعمل مسحراً في أحياء القدس، أخرج من المنزل الساعة 2:00 لإيقاظ الناس للسحور بالدق على الطبلة والتهليلات الرمضانية التي تسعدهم، لكن الاحتلال يتعمد التنغيص علينا ومنعنا بعنجهية من أداء مهمتنا".
وأردف حجيج خلال حديثة لـ"الاستقلال": "خلال الايام الماضية من رمضان تعرضت ومجموعة من المُسحرين لعدة انتهاكات من قبل المتطرفين الذين يعيشون داخل حارة السعدية برش غاز الفلفل تجاهنا، وبعد الانتهاء من ايقاظ سكان الحارة، حاصرتنا قوات الاحتلال وتم اعتقالنا، وبغرف التحقيق اتهمنا بإزعاج المستوطنين، وبعد انتهاء فترة التحقيق لساعات تم الافراج عنا وتحرير مخالفة مالية بقيمة 450 شيكلا".
وأشار إلى أنه تعرض للاعتقال للمرة الثالثة خلال الأسبوع الجاري بتهمة ازعاج المستوطنين، وفي كل مرة يتعرض للاستفزاز اللفظي والكلمات النابية لمنعه من الاستمرار في عمله، وتحرر مخالفة جديدة بحقه.
وأكد أن مهنة المسحراتي ارث اسلامي تاريخي متوارث من جيل لجيل في كل الدول العربية والاسلامية، ولكن في مدينة القدس الطقوس مختلفة عن باقي العالم، فهي تعطي رمضان جمالا ونكهة مميزة خاصة لأن المُسحرين مازالوا متمسكين بزيهم التراثي وشعاراتهم التي تبعث السعادة في نفوس الناس، إلا أن الاحتلال يرفض أن تزدان المدينة المقدسة بهذه الطقوس ويحاربها كما يحارب الكثير من المظاهر العربية والاسلامية.
وقال حجيج:" لا الاعتقال ولا المخالفات المالية ولا أي شيء يمنعني وزملائي في ذات المهنة، من الاستمرار بمهنتنا وممارسة طقوسنا الدينية بحرية، وستبقى أصواتنا تزعجهم"، مستدركاً " القدس إلنا إذا هما منزعجين يرحلوا".
خنق مظاهر رمضان
في حين، أعرب المصور المقدسي محمد الفاتح، عن أسفه بأن المسحراتي أصبح مُلاحقاً من قِبل شرطة الاحتلال الإسرائيلية، التي تحاول خنق كل مظاهر رمضان في القدس، بينما في أعيادهم لا تتوقف المظاهر الاحتفالية واستفزازهم بشكل عنصري.
وقال الفاتح لـ"الاستقلال":" منذ سنوات والاحتلال يُلاحق مُسحري القدس لإسكات صوتهم الذي يُثبت عروبة وإسلامية القدس، فكان يُنكل بهم ويقوم بضربهم ويكسر طبولهم، مُستغلاً خلو الشوارع من الناس، إلى أن أصبح اليوم يعتقلهم ويضع عليهم مخالفات بحجة إزعاج المستوطنين".
وفي عام 2015، جسد الفاتح معاناة مُسحري القدس والانتهاكات التي يتعرضون اليها من قبل الاحتلال، من خلال فلم قصير قام بتصويره ونشره لفضح عنصرية الاحتلال وجرائمه ضد كل ما هو فلسطيني إسلامي.
وأضاف الفاتح: "المسحراتي ليس موجوداً ليغيظ المستوطنين إنما لتنبيه الناس لوجبة السحور وإعطاء نكهة مميزة لرمضان، لكن انتهاكات الاحتلال والصعوبات التي يضعها أمام المُسحرين جعلتهم أشبه بالمقاومة وأصواتٌهم سلاحاً رافضاً لوجوده"، لافتاً إلى أن مُسحري القدس لم يخضعوا للاحتلال واستمروا بمهنتهم رغم كل ما يتعرضون إليه.
اعتقالات واسعة
وبدوره أكد أمجد أبو عصب، الناطق باسم نادي الأسير في القدس، أن الاحتلال الإسرائيلي يشن حملة اعتقالات واسعة بحق مُسحري مدينة القدس والبلدة القديمة بذريعة ازعاج المستوطنين، لإخفاء الشواهد التي تُثبت عروبة وإسلامية القدس والسيطرة عليها.
وقال أبو عصب لـ"الاستقلال": "الاحتلال يستهدف كل شيء فلسطيني وإسلامي في مدينة القدس، من خلال تشريع قوانين عنصرية وتطبيق إجراءات ظالمه على أهاليها، من ضمنها استهداف المُسحرين وباعة الخروب وإزالة زينة رمضان ومنع الاذان وغيرها، بهدف حسم قضية القدس والمسجد الأقصى المبارك".
وتابع أبو عصب:" منذ بداية شهر رمضان يشن الاحتلال حملة اعتقالات لمُسحري القدس، ففي كل يوم يقوم المستوطنون الذين اقتحموا منازل المقدسيين وأخذوها عنوة من أصحابها بتقديم بلاغ لشرطة الاحتلال بأن هناك من يزعجهم، فتأتي الشرطة وتعتقلهم، وتنكل بهم بالشتم والضرب المبرح داخل غرف التحقيق، ثم تحرر مخالفة بحقهم قيمتها 450شيكلا وتحذرهم من العمل".
وأوضح أن المسحرين يعلمون جيداً مدى الاستهداف ضدهم، إلا أنهم بكل مرة يتم اعتقالهم بها يعودون لعملهم من جديد، اذ هناك عدد منهم تم اعتقالهم أكثر من ثلاث مرات بالتهمة ذاتها، متوقعاً أن يزيد الاحتلال هجمته ضد مسحري القدس الأيام القادمة وممكن أن يُبقيهم داخل السجن بقرار من المحكمة، بحجة اختراق القوانين وعدم الاستجابة للتحذيرات بعد المخالفة الاولى.
واعتبر الناطق باسم نادي الأسير في القدس، اعتقال المُسحرين، رسالةً لكل من يُحاول إعادة روح رمضان إلى القدس وبلدتها القديمة، فالاحتلال لا يُلاحق المسحراتي فقط بل يلاحق كافة الشواهد التي تؤكد عروبة وإسلامية القدس، محاولا إعطاءها صورة يهودية على أنها العاصمة الأبدية للكيان الغاصب.


التعليقات : 0