زف بالورود تنفيذًا لوصيته

الطفل الجمل .. اختار مدرسة "الشهداء" في الدنيا والآخرة

الطفل الجمل .. اختار مدرسة
مقاومة

                     

غزة/ محمد مهدي

متعجلا دخل الطفل هيثم الجمل بيته وتلك لا غرابة فيها ؛ وهو المتعجل دوما للعب مع أصدقائه المنتظرين قرب باب المنزل،  بيد أن الرفاق الذين اعتادوا الانتظار قد رافقوه لباحة البيت يحملونه على اكتافهم بعد أن زينوه بعلم فلسطين لتتناثر على جثمانه الصغير ورقات الورد المتطاير تنفيذا لوصيته وتطبيقا لمشهد زفته الذي رسمه في مخيلته. وتهادى برقة على أكتاف ثوار الوطن ورفاق الحدود ، ليمكث بعض الوقت بين أحضان نظرات والدته المكلومة ورود أبو لبدة  (35 عاما) بفيض من الدموع وبصوت خنقه البكاء ، لتلقي عليه نظرة الوداع مختلسة أخر القبلات لنجلها البكر بعد ان سرقت رصاصات الحقد الصهيونية براءته من بين صفوف المتظاهرين السلميين على حدود الوطن السليب .

 

وكان الطفل هيثم محمد الجمل(15 عاما) من حي البرازيل جنوب محافظة رفح ، قد ارتقى شهيدا بعد اصابته بعيار ناري أسفل البطن ، خلال مشاركته في الجمعة العاشرة لمسيرة العودة الكبرى والتي حملت اسم "مليونية القدس" .

 

وداع مبكر

 

تزداد جرعات الوجع وتفيض العيون الصابرة دمعا حينما تتوسط والدة الشهيد هيثم مقتنيات وألعاب  نجلها وتقلب يدها بين حقيبته المدرسية وملابس العيد التي لم يسعفها الوقت لتمتشق عبق جسده منتقلة لكرته التي اعتادت أن ترافق هيثم لتشهد ولعه بها كما أحذية رياضة السكيت ، لتقول :" هيثم كل جمعة بيروح ع الحدود وبيشارك في مسيرة العودة ، ابني استشهد بمسيرة سلمية مش حرب ، كل اللي بدو اياه انه العالم يوقف معنا ونرجع ع بلادنا " .

 

وتضيف :" طفل صغير وواقف بأرضه شو بيشكل خطر ع الجندي المدرع والدبابة ليقتلوه ، هو ما بيشكل أي خطر عليهم بس هم اتعودو على  الاجرام وشايفين انه كل العالم ما بيحاسبهم لا عرب ولا مسلمين ولا مجتمع دولي ، الكل بيحميهم وما حد بيحاسبهم لهيك كل مرة بيتمادوا بالجرائم بحق شعبنا الأعزل ".

 

وتوضح أم هيثم أن نجلها كان قد جهز كمامة ليصطحبها معه في رحلته الاسبوعية إلى مسيرة العودة على غير عادته ، وحين سألته عن سبب تجهيز الكمامة أجابها الشهيد هيثم  قائلا :" هذه الكمامة حتى أظل في الصفوف الامامية عند اطلاق قنابل الغاز".

 

 وتذكر الوالدة المكلومة أن هيثم أتم المرحلة الإعدادية وبعد حصوله على شهادة الصف التاسع طلبت منه والدته التسجيل في إحدى مدارس الثانوية القريبة ، فأخبرها برغبته بالتسجيل في مدرسة الشهداء البعيدة نسبيا عن مكان سكناه لتتفاجأ الأم وتسأله عن السبب رغم بعد المسافة فأجابها :" مدرسة الشهداء شئ آخر ، عن قريب بتعرفيه يما ".

 

وتقول :" قبل خروج هيثم كان يلعب مع شقيقته الصغيرة وأهداها طائرة ورقية من الطائرات التي كان يعدها وجاءني مبتسما يخبرني بأن أجهز الكفن والورود وانتظر عودته شهيدا ، فحاولت أن أخفي خوفي من كلماته وأخبرته بأنه سيعود سليما معافى إن شاء الله رغم أن كلماته أشعلت نيران الخوف في نفسي وبقيت طيلة الوقت وأنا قلقة حتى قررت بعد صلاة العصر أن لا أنتظر عودته وذهبت لمخيم العودة لأعيده للبيت ".

 

متأخرا كان وصول والدة هيثم فقبل أن  تقابله كان أحد قناصة الاحتلال قد رصد هيثم بعين حقد واجرام ليطلق عيارا ناريا باتجاه الطفل الأعزل ، لتنتهي براءة الطفل على يد جندي مدجج بالسلاح لا يعرف من أي دولة آتى ليسرق وطن ذاك الطفل .

هيثم شهيد

 

وتقول والدة هيثم :" حين وصلت أخبروني أن هيثم قد أصيب ونقل إلى المستشفى للعلاج ، حينها لم اتمالك نفسي وايقنت أن كلمات هيثم ستتحقق ، وبالكاد تمالكت نفسي حتى وصلت إلى المستشفى وحينها أخبرني الأطباء أن ابني رحل شهيدا ".

 

وبنبرة صوت الصابر المحتسب كان والد الشهيد هيثم قد استجمع رباطة جأشه محتسبا نجله البكر شهيدا عند الله ، ويقول :" الحمد لله ربنا أكرم هيثم بأفضل خاتمة ممكن انسان يتمناها ، نال الشهادة بهذا العمر وهو صائم وفي العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك ".

 

ويضيف :" قبل صلاة الظهر أجاني هيثم وطلب مني مصروفه ليروح على مخيم العودة على الحدود كعادته كل جمعة ، اعطيته المصروف وقلت له الله يسهل عليك يابا ".

 

ويؤكد والد الشهيد أن اقدام  جنود الاحتلال على استهداف الطفل هيثم يكرس مفهوم الدولة الهمجية التي تتصرف على انها فوق القانون الدولي ، وأن جنود الاحتلال باتوا موقنين أنهم في مأمن من أي محاسبة مهما بلغت شناعة الجرائم التي ارتكبوها وهو ما يعتبره الجنود ضوءاً أخضر للتمادي في جرائمهم.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق