غزة/ دعاء الحطاب
عندما يغلب نداء الوطن، قسوة الجرح وألم المشي، تشاهد عشرات الجرحى يتجاوزن آلامهم، ويسيرون بعكازاتهم متجهين إلى مخيمات العودة، ليشاركوا رفاق دربهم مسيرة كفاح ونضال طويلة، ويعيدوا الزخم لتظاهرات كثيراً ما راهن الاحتلال على تراجعها.
فلم يخل موقع من مواقع المواجهة والتظاهر الخمس في «جمعة الوفاء للجرحى»، من ذوي العكازات، بعضهم جاؤوا بواسطة الحافلات وآخرون استقلوا مركبات ودراجات نارية، وقفوا وسط حشود المتظاهرين بهاماتهم المرفوعة، يلفون الكوفية على رقابهم، ويمسكون بالأعلام في أيديهم ويهتفون بالروح بالدم نفديك يا فلسطين.
ولم تمنع الاصابة وصعوبة المشي بعضهم من فعل أكثر من ذلك، اذ وثقت عدسات المصورين أحدهم يحمل إطاراً مطاطياً على راسه وينقله الى موقع المواجهة، وآخر يقذف الحجارة بالمقلاع، وثالث يشارك المتظاهرين في سحب السياج الفاصل، وقد تسبب وجود الجرحى في إلهاب مشاعر وحماسة المتظاهرين، ما أشعل المواجهات وأربك جنود الاحتلال.
ساق وعكاز
بساقٍ واحدة، سار الجريح إبراهيم ماضي وسط المشاركين في مسيرة العودة الكبرى بجمعة " الوفاء للجرحى"، ليتقدم الصفوف الأولى بإرادة وتحدٍٍ حاملاً جسده على عكازين وعيناه صوب جنود الاحتلال الإسرائيلي المنتشرين خلف الكثبان الرملية وراء السياج الفاصل، حتى بدأ بإطلاق بالونات تحمل صور شهداء المسيرة، تقديراً لتضحياتهم، وتأكيداً على استمرار هذه المسيرة حتى وإن بُترت أجسادهم.
الشاب "ماضي" الذي بترت قدمة إثر إصابة برصاص متفجر في14مايو/أيار الماضي، يقول لـ"الاستقلال":" الاحتلال تعمد إصابة أجسادنا وقتلنا كي نتراجع عن حقنا بالعودة إلى أراضينا المسلوبة، لكننا مستمرون في مسيراتنا حتي النهاية مهما اشتدت الآلام والأوجاع علينا".
وأضاف ماضي:" قبل 70 عاما طرد الاحتلال آباءنا واجدادنا من أراضينا ومازال حتي اليوم يتنعم بخيراتها، والأن يسعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتنفيذ "صفقة القرن " وطردنا من باقي أراضينا، لكننا لن نسمح بتنفيذها حتى آخر قطرة دم فلسطينية".
وأكد أنه مصممٌ على العودة إلى مدينة يافا التي هُجر أجداده منها غصباً، مبيناً أن استخدام الاحتلال الإسرائيلي لأحدث الأسلحة و الرصاص الحي ضد متظاهرين عزل يُبرهن على مدى جبنه وخوفه، وضعفه ويسهل هزيمته حتى بحجر.
إيماناً برسالتهم
ومع اشتداد حرارة شمس ظهيرة يوم الجمعة الماضي، خرج الشاب الجريح أيمن سالم( 25عاماً) من منزله في مدينة خانيونس جنوب القطاع، بجسده المنهك، مستقلاً حافلة خصصت لنقل الجرحى الذين أرادوا المشاركة في جمعة الوفاء لهم إلى مخيمات العودة، تأكيداً على مواصلة تحقيق أهدافهم بكسر الحصار والعودة.
وفي مخيمات العودة ببلدة خزاعة شرق خانيونس، جلس "سالم" على كرسيه المتحرك بعد أن بترت قدماه، بجوار عشرات الجرحى الذين اصطفوا على شكل نصف دائر وأمام كل منهم عكازه.
ويقول سالم لـ"الاستقلال":" إصابتي لم تمنعني من العودة مرة اخرى لمخيمات العودة، بل بالعكس ولدت لدي إصراراً ودافعاً أكبر للمشاركة بالمسيرة بشكل دائم حتى تحقيق الأهداف التي أُطلقت من أجلها وهي العودة وكسر الحصار"، مشيراً إلى أن استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع دافع قوي للشباب الغزي للمشاركة في مسيرات العودة، كونه سلب حياتهم ودمر مستقبلهم.
ولفت سالم، الى أنه أصيب برصاص متفجر بقدميه في الجمعة الثانية من مسيرات العودة، وبعد ثلاثة أسابيع عاد إلى المشاركة في المسيرة على كرسيه المتحرك برفقة أصدقائه.
وأوضح، أن المصابين والجرحى يعودون للمشاركة في فعاليات وأنشطة مسيرة العودة، إيماناً منهم برسالتهم التي خرجوا وأُصيبوا من أجلها، وتأكيداً على أن الشباب الغزي جميعهم لن يخرجوا من هذه المسيرات إلا بكسر الحصار والعيش بكرامة كباقي دول العالم.
ودعا سالم، مؤسسات حقوق الانسان والجهات المعنية بضرورة مساندة الجرحى في قطاع غزة وتوفير كل احتياجاتهم من علاج وأجهزة تساعدهم على تخطي اعاقتهم.


التعليقات : 0