غزة/الاستقلال
حمل أمانة المقاومة وأدى رسالته كاملة بعدما كرس جل حياته للعمل الفدائي الأول المنظم، لينال الشهادة التي كان يصبو إليها بعدما أذاق العدو طعم الموت، إنه فارس من رموز الحركة الإسلامية وأحد مؤسسي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الشهيد القائد " محمود الخواجا".
ففي 22/ 6/ 1995 توشحت واكتست فلسطين سواد الحزن الذي سكنها بعد استشهاد القائد الخواجا، الذي امتشق سيف الحق في وجه العدو ليرسم بسمة وفرحة "بيت ليد ونتساريم وكفار داروم"، والكثير الكثير من لوحات الشرف التي رسمها ورفاقه بجهادهم وتعبهم وعشقهم فوق كلّ تراب الوطن المنكوب، وليزرعوا روح الثورة منْ جديد في نفوس الصّادقين المتوّجة قلوبهم بالحبّ والعشق والانتماء.وتصادف هذه الأيام الذكرى الـ 23 لاستشهاد القائد الخواجا، هذه الذكرى العزيزة على قلب كل مواطن فلسطيني حـر، وعلى كل أبناء شعبنا الـمناضل في كل مكان.
الميلاد والنشأة
ولد الشهيد محمود عرفات الخواجا في 27/12/1960م وترعرع وسط أسرة مجاهدة، هاجرت من قرية حمامة عام 1948م ليستقر بها المقام في مخيم الشاطئ ولتعيش حياة مليئة بالألم والمعاناة كما كل الأسر المهاجرة التي سلب الصهاينة أراضيها.
وتلقى تعلميه الابتدائي والإعدادي في مدارس وكالة الغوث للاجئين، وأكمل تعليمه الثانوي في مدرسة فلسطين الثانوية "القسم العلمي" ثم تلقى تعلميه الجامعي في الجامعة الإسلامية بغزة وحصل على درجة الإجازة العلمية "الليسانس" بعدها التحق بالدراسات العليا بالجامعة وحصل على "دبلوم عام التربية".
ونشأ الشهيد محمود على الإباء والتحدي بعد استشهاد عمه على يد الاحتلال الصهيوني لتكون هذه الحادثة من بواكير الدوافع النفسية له ليخوض معركته مع الصهاينة والاحتلال.
المشوار الجهادي
مع بداية ظهور الأفكار الجهادية والثورية في قطاع غزة على يد المفكر الإسلامي د. فتحي الشقاقي، كان الشهيد محمود من أوائل الذين آمنوا بتلك الأفكار وتشبعوا بذلك الطرح الجهادي، فأصبح الشهيد عضوًا بارزًا في حركة الجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية في الجامعة فترأس كتلة المستقلين الطلابية في الجامعة الإسلامية بغزة، وصار مسئولا للجهاد الإسلامي في مخيم الشاطئ.
ولنشاطه المتميز في مساجد المخيم وخاصة المسجد الأبيض كان الشهيد من أوائل المعتقلين في العام 1983م حيث حكم عليه بالسجن لمدة خمسة شهور، وكان قبلها قد اعتقل لمدة شهر مع آخرين بتهمة حرق العلمين الإسرائيلي والأمريكي في الجامعة الإسلامية.
واعتقل الشهيد محمود للمرة الثالثة على يد الاحتلال الصهيوني في العام 1985م وقد حكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات بتهمة حيازة أسلحة وكان من نصيب والده أن اعتقل ستة أشهر على نفس القضية.
وللمرة الرابعة اعتقل الشهيد لعدة أيام وبعدها وفي يونيو 1993م اعتقل مرتين على يد سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود تلك الاعتقالات التي تشهدها الساحة الفلسطينية إثر العمليات الاستشهادية التي ينفذها المجاهدون.
العمل العسكري
كان الشهيد الخواجا عمله الأهم والأكبر تأسيس وقيادة الجهاز العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين "القوى الإسلامية المجاهدة (قسم)" ونفذت في عهده وبمشاركته وتخطيطه أضخم العمليات العسكرية في فلسطين، وخلال فترة وجيزة نسبيًا سجل الجهاز العسكري للجهاد الإسلامي بقيادة الشهيد الخواجا إنجازات هامة عبر عملياته العسكرية النوعية، خاصة تلك العمليات الاستشهادية الأولى من نوعها في تاريخ النضال والجهاد الفلسطيني.
ومن أبرز العمليات العسكرية التي خطط وشارك في توجيهها الشهيد الخواجا، عملية أسدود البطولية، والتي نفذها الشهيد على العيماوي من مخيم الشاطئ على محطة تجمع للجنود الصهاينة في أسدود 1990، بسلاح رشاش فقتل اثنين من الضباط وجرح ما لا يقل عن عشرة آخرين، وقد أشرف الشهيد الخواجا مباشرة على تدريب الشهيد العيماوي على إطلاق النار وفن المواجهة فأحسن التدريب.
عملية نتساريم الاستشهادية 1994، والتي نفذها الشهيد هشام حمد من حي الشيخ رضوان على تجمع عسكري لبني يهود بالقرب من مفترق البوليس الحربي في وسط قطاع غزة قرب مغتصبة نتساريم بواسطة دراجة هوائية مملوءة بالمتفجرات والعبوات الناسفة والتي أدت إلى مقتل 5 جنود صهاينة وإصابة 12 آخرين، وقد جاءت العملية الاستشهادية رداً على اغتيال الشهيد المجاهد هاني عابد الذي اغتيل على أيدي الموساد الصهيوني.
اما عملية بيت ليد المعجزة، فكانت ومازالت الكابوس الذي يقض مضاجع قادة الكيان الصهيوني وجنودهم الجبناء، بعدما توجه الشهيد أنور سكر مع رفيق دربه الشهيد صلاح شاكر (الصاروخ المزدوج) 1995، ليفجرا جسديهما وسط أكبر تجمع للجنود الصهاينة ليرتقيا إلى العلى، ويعلن العدو عن مقتل 22 صهيونيًا وإصابة أكثر من 70 إصابات بالغة.
وتأتي عملية كفار داروم الجهادية من أبرز العمليات التي اشرف عليها الشهيد الخواجا، والتي نفذها الشهيد خالد الخطيب بتاريخ 9/4/1995م باقتحام سيارته المفخخة لسيارة باص تقل جنودًا صهاينة وقد أسفرت العملية عن مقتل 13 جندياً وإصابة 40 آخرين.
مما لا شك فيه أن قيادة الشهيد القائد محمود الخواجا لقسم تميزت بالحزم والشدة، والتدقيق في كل صغيرة وكبيرة، وكان ذا هيبة في صدور القلائل الذين عرفوه من التنظيم العسكري رغم حبهم الشديد له.
فاجعة الاغتيال
كانت المخابرات الصهيونية تحمل الشكوك لمحمود لدوره الريادي السابق في حركة الجهاد الإسلامي، وكذلك لعلاقاته بالعديد من مطاردي "قسم" الذين شوهدوا عنده في البيت أو ترددوا عليه، وهذا ما دعا المخابرات إلى تكثيف المراقبة عليه لاكتشاف الدور الحقيقي الذي يقوم به.
وحسب شهود العيان فقد تم اغتياله ما بين الساعة السادسة والنصف والسابعة صباحًا من يوم 22/6/1995م، حيث كانت الشوارع خالية إلا من عدد قليل جدًا من المارة أغلبهم من طلبة التوجيهي الذين كانوا متوجهين لتأدية امتحان في مدرسة قريبة من هناك.
ومن بين شهود العيان سيدة طلبت عدم ذكر اسمها قالت: "كنت على سطح البيت في لحظة اغتيال أبو عرفات وشاهدت سيارة بيجو 404 لونها ما بين الأزرق الخفيف والبني، نزلوا من منحدر الشارع بسرعة كبيرة باتجاه محمود ولم يكونوا ملثمين أطلق أحدهم رصاصة من خلف محمود، ثم ترجلوا من السيارة وحاول محمود أن يضربهم بالعربة التي كان يقودها، ولكنهم عاجلوه برصاصات أخرى من مسدسات كواتم للصوت، ليسقط مضرجًا بالدم وتنطلق السيارة بأقصى سرعة".
وارتقى الشهيد إلى العلا بعد أن لبى نداء ربه بأداء الواجب، فكان نبراسًا يضيء وشعلة لا تنطفئ، تقتبس منه الأجيال لتواصل السير على دربه والجهاد في سبيل الله .


التعليقات : 0