التحليل السياسي: عامر خليل
كانت هزيمة عام 1967 استكمالا لنكبة عام 1948 بالاحتلال الكامل لأرض فلسطين التاريخية وقد اعتبر المؤرخون الاسرائيليون هزيمة 67 هي الاستقلال الحقيقي لدولة الاحتلال باعتبار ان المخاطر الامنية والتخوف من تعرض خاصرة الاحتلال الضيقة على الخط الفاصل بين 67و 48قرب طولكرم وقلقيلية للقصف والهجمات والاحتلال قائما في أي لحظة ولا يمكن ابعاده لضيق مساحة هذه الخاصرة فحرب 1967حققت الاستقلال الكامل لدولة الاحتلال وفتحت الباب للقبول العربي والفلسطيني بها وانتقال المطالب من انهاء احتلال 48الى انهاء احتلال 67 اذ انطلق التحرك والموقف السياسي العربي على ارضية الاعتراف باسرائيل مقابل انسحابها من كامل اراضي 67.
هذا هو البعد الاهم في هزيمة 1967 فـ"إسرائيل" كدولة في المنطقة رسخت وجودها وانتقلت بعدها من مرحلة الدفاع عن النفس الى الهجوم السياسي والعسكري واخذت تمهد الطريق الترسيخ قبولها في المنطقة من خلال طرح السلام على اساس الاعتراف العربي بها واعادة الاراضي التي احتلتها لكن اغترارها وغطرسة القوة التي تملكتها جعلتها تتمسك باستمرار احتلال الارض وكانت مقولة موشيه ديان الشهيرة وزير الحرب آنذاك "شرم الشيخ بلا سلام أفضل من سلام بلا شرم الشيخ"، ولم تصح اسرائيل من سكرة الانتصار عام 1967 الا بعد هزيمتها في حرب اكتوبر 1973 والتي كانت حربا تحريكية اراد الرئيس المصري الاسبق انور السادات من ورائها اجبار "إسرائيل" على التعاطي السياسي مع الدول العربية بعد رفضها الدائم لنداءاته من اجل من السلام.
على هذه الخلفية يمكن فهم الواقع العربي اليوم من القبول بالكيان الاسرائيلي وفتح اشكال متعددة من العلاقات السرية او العلنية معه والغزل القائم اليوم بين تل ابيب والعواصم الخليجية ومشاركة بعض دولها في تدريبات عسكرية مشتركة معها ووصول وفود عربية الى الكيان واللقاءات التي تتعدد بين مسئولين عرب واسرائيليين وزيارة اللواء المتقاعد أنور عشقي لتل ابيب قبل ما يقارب العام مؤشرات واضحة على ذلك، وقد اشارت مصادر متعددة الى ان عشرات الخليجيين من الأسر الحاكمة ورجال الأعمال في دول الخليج ينظمون رحلات إلى إسرائيل فى ظاهرها سياحية علاجية، لكنها في باطنها خطط لمشاريع استثمارية بمليارات الدولارات إلى جانب عقد صفقات تبادل تجارى، ومن هنا تنبع خطورة نتائج وتداعيات حرب 1967 التي تحل ذكراها الخمسون بعد خمسة ايام.
لم يقتصر القبول باسرائيل على الاطراف العربية بل طال ذلك منظمة التحرير الفلسطينية التي انتقلت من التحرير الكامل لفلسطين الى تحرير اراضي 67 ثم القبول بسلطة وطنية على أي جزء يتحرر منها في البرنامج المرحلي عام 1974 وهو ما فتح الباب الى الولوج في اتصالات مباشرة وغير مباشرة تقبل باسرائيل دون الانسحاب الى حدود1967، وقد توج اتفاق "اوسلو" الانتقالي عام 1993 بين دولة الاحتلال ومنظمة التحرير هذا التوجه ورغم عدم قبول الاخيرة بالتراجع عن دولة فلسطينية في حدود 1967 الا ان مسار المفاوضات منذ قمة كامب ديفيد عام 2000 ومفاوضات عام 2007 مع حكومة اولمرت والتي توجت بمؤتمر "انابولس" كرست مفهوم القبول بالمستوطنات في تلك الحدود وجرى اختلاق مصطلح تبادل اراض بين دولة الاحتلال والدولة الفلسطينية العتيدة متساوية في المساحة والنوع وفق التوصيف الفلسطينيين وارتفعت نسبة التبادل من 2% الى 6.5% لضم الكتل الاستيطانية الى دولة الاحتلال ويأخذ بمقابلها الكيان الفلسطيني المستقبلي مساحة مساوية في حدود 1948 في صحراء النقب قرب الحدود مع جنوب قطاع غزة.
تطورت مسألة التراجعات الفلسطينية العربية الى حجوم اكبر من هزيمة 1967 فلم تعد فلسطين قضية العرب المركزية بعد الخريف العربي واشتعال الحروب الداخلية وانتقل الموقف الاسرائيلي الى افق اخر برفض مجرد قيام كيان فلسطيني حنى لو كان منقوص السيادة واخذت دولة الاحتلال تتجه نحو حسم الصراع على الارض من خلال التقسيم الذي خلقه اوسلو الى مناطق (أ , ب ، ج) بالعمل على ضم الاخيرة ومساحتها 62% من الضفة المحتلة وطرح قوانين بضمها واحلال السيادة الاسرائيلية عليها، والحديث العلني عن رفض كيان فلسطيني برفض ما يسمى حل الدولتين.
تطور الموقف العربي الى ابعد من ذلك بالقبول مع التعاطي مع الكيان الاسرائيلي دون أي انسحاب من اراضي 67 وهو جوهر التحرك الامريكي لادارة دونالد ترامب الان بقيادة عملية تسوية جوهرها مفاوضات اقليمية تجمع العرب والكيان تحت عنوان القضية الفلسطينية وتوظيفها كجسر للتطبيع مع الكيان بعد تصدير ايران عدوا للانظمة العربية بدل "تل ابيب" وهو عنوان المرحلة القادمة بانهاء القضية الفلسطينية بكيان دولة في الظاهر ويحمل في الجوهر سلطة حكم ذاتي موسعة يبقي على المستوطنات وسيطرة اسرائيلية على مساحات واسعة من الضفة المحتلة تتمثل بمنطقة "ج" الخاضعة للسيطرة الاسرائيلية الامنية والادارية.
لا يمكن لأي قيادة فلسطينية ان توافق على الرؤية الاسرائيلية مهما بلغت الضغوط وهي ليست مخولة بذلك والمراهنات الاسرائيلية على الدول العربية لانهاء القضية الفلسطينية تحت مسمى مؤتمر اقليمي يعمل على ادارة الصراع سياسيا دون حله وبالمقابل يتم التطبيع واخراج العلاقات الاسرائيلية العربية للعلن ستذهب ادراج الرياح فعقود خمسة من عمر الاحتلال الاسرائيلي لم تنجح في اجبار الشعب الفلسطيني على التراجع عن الحقوق والاستسلام للاحتلال، ويؤكد على ذلك ان تلك لعقود شهدت انتفاضتين"1987،2000" وانتفاضة القدس وعشرات العمليات متعددة الاشكال ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه .


التعليقات : 0