غزة/ محمود عمر
بدأت مظاهر الرفض الشعبي الفلسطيني وأهمها مسيرة العودة على حدود قطاع غزة، تؤتي أكلها بتحويل صفقة القرن، من فكرة صاعدة نحو التطبيق، إلى فكرة تأخذ طريقها نحو الفشل، نظراً لطبيعة أفكارها الجنونية المستمدة من شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروف بجنونه بين جزء كبير من المجتمع الأمريكي نفسه.
ويشكك محللان سياسيان تحدثا لـ"الاستقلال" من إمكانية تطبيق هذه الصفقة التي لا تزال غير قادرة على طرح نفسها على الملأ نظراً لحجم الرفض الفلسطيني لها، مشيرين إلى أن ترامب لم يملك الشجاعة الكافية بعد للإعلان عن هذه الصفقة.
ويرى مراقبون أن هذه الصفقة وما حملته من تفاصيل تدل على أن ترامب الذي يهيمن على العالم ومستشاريه، غير ملمين بطبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وخاضعين للدعاية الإسرائيلية السوداء التي روحت لروايتها الكاذبة، ولكن ذلك لا يعفيهم من المسؤولية ولا يحولهم إلى ضحايا هذه الرواية، فهم عناصر أساسية في دعمها ونشرها وترويجها.
وكانت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية سخرت في مقال لها نشرته السبت الماضي، من "صفقة القرن"، وتهكمت على وعود جاريد كوشنر مستشار ترامب، للفلسطينيين بمليارات الدولارات مقابل تمرير صفقة القرن، وقالت إن الفلسطينيين خاضوا ثلاث حروب مع "إسرائيل" ويتحملون حصاراً إسرائيلياً منذ 2007، ليس لأجل الحصول على المال.
وأضافت الصحيفة: "كوشنر تسيطر عليه الأوهام إن كان يعتقد أن هذه الصفقة ستنجح"، وتابعت: "الفلسطينيون الذين خسروا وطنهم قبل نحو 70 عاماً لم يتظاهروا مرة واحدة في شوارعهم المدمّرة طلباً لشوارع أفضل أو مناطق حرة خالية من الضرائب، فكيف يمكن لكوشنر أن يُهين كل الشعوب العربية بمطالبتهم بمقايضة حرّيتهم واستقلالهم وسيادتهم وكرامتهم وهويتهم بالمال".
وبينما يؤكد ترامب تحقيق الكثير من التقدم في صفقة القرن عقب اجتماعه بالعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الأسبوع الماضي، نشرت صحيفة واشنطن بوست الجمعة الماضية مقالاً قالت فيه: إن الرئيس الأمريكي "لن يستطيع عقد صفقة القرن".
فيما كانت صحيفة "إسرائيل اليوم" ذكرت الجمعة الماضية، أن كوشنر وغرينبلات خفّضا مستوى توقعاتهما في شأن نجاح صفقتهما، بعد المشاورات التي أجرياها في المنطقة الأسبوع الماضي.
تشكيك بنجاح الصفقة
شكك المحلل السياسي عبد الستار قاسم، من إمكانية تنفيذ صفقة القرن الأمريكية في ظل استمرار حالة المقاومة الشعبية في قطاع غزة، وحالة الرفض الفلسطيني لقبول التعاطي معها، داعياً إلى مواصلة مسيرات العودة التي بدأت تؤتي ثمارها بالتأثير على احتمالية نجاح صفقة القرن.
وقال قاسم لـ"الاستقلال": "إن الإدارة الامريكية منشغلة بالترويج لصفقتها التي تهدف لتصفية القضية الفلسطينية، في ظل ظروف سياسية وميدانية واقتصادية سيئة للغاية في قطاع غزة، إذ لا يمر يوم على غزة دون مواجهة مع الاحتلال سواء بالردود العسكرية أو بمسيرات العودة المستمرة منذ 30 مارس الماضي وحتى يومنا هذا".
وأوضح أنه وبينما لن تمنع الدول العربية "المعتدلة" الإدارة الأمريكية من تقديم صفقتها وطرحها وتوفير الغطاء السياسي لها، إلا أنه يرى أن الأنظمة العربية لن تستطيع إخراس الصوت الشعبي العربي عندما يقول كلمته في الشارع.
وأمام حالة الرفض هذه، توقع قاسم أن تقوم الإدارة الامريكية بإجراء تعديلات في بنود صفقتها، مشيراً إلى أن هذه التعديلات سيراد منها إظهار الصفقة أنها أكثر اعتدالاً وحياديةً وهي على عكس ذلك تماماً.
ولفت النظر إلى أن وعود أمريكا بإغراق الفلسطينيين بمليارات الدولارات تثير الشفقة والسخرية، وقال: "ربما يلمع بريق المال في أعين القيادة السياسية الرسمية فقط، ولكن لا اعتقد أن ذلك سيحدث بين الشعب الفلسطيني الذي لا يزال ينزف دمه منذ 70 عاماً".
خيبة إسرائيلية
على المستوى الإسرائيلي، يرى المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، أنطوان شلحت، ان المستوى السياسي الإسرائيلي بات أكثر تأهباً لفشل هذه الصفقة في ظل استمرار الاحتجاجات الفلسطينية على حدود غزة، وعدم وجود أنصار كثيرين الصفقة التي فشلت الإدارة الأمريكية في الترويج لها بالشكل المطلوب.
وقال شلحت لـ"الاستقلال": "هناك خلاف بين رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ومجلسه الوزاري المصغر حول إمكانية تخلي "إسرائيل" عن بعض ما سلبته من الأراضي الفلسطينية من أجل إقناع الفلسطينيين ببدء نقاش حول صفقة القرن".
وكانت صحيفة "معاريف" العبرية كشفت الجمعة الماضية أن نتنياهو يحاول التخلي عن مستوطنات غير قانونية شمال القدس المحتلة وشرقها، وهو ما يرفضه الكابينت، علماً أن مناقشات كثيرة أجريت في هذا الإطار خلال العام الماضي، من دون جدوى.
وأضاف شلحت: "ربما لن ترى صفقة القرن النور، وهناك العديد من المؤشرات على ذلك، فبالإضافة إلى ما ذكر سابقاً، نرى أن تأجيل ترامب الإعلان عن صفقته أكثر من مرة يدلل على عدم امتلاكه الجرأة والشجاعة الكافية لفعل ذلك بسبب ما قد تخلفه من موجة غضب شعبية شديدة ليست فلسطينية فحسب إنما عربية وإقليمية".
ولفت النظر إلى ان "إسرائيل" التي بدت أكثر حماسةً منذ وقت قريب لتطبيق صفقة القرن، تشعر اليوم بخيبة أمل بسبب عدم قدرة الإدارة الأمريكية على تمريرها بالشكل الأمثل على المنطقة العربية.


التعليقات : 0