غزة / دعاء الحطاب
صبيحة يوم الجمعة الماضي، رتب غرفته بشكلٍ جميل، وأخذ يتأمل تفاصيلها بدقه، ثم وقف أمام مرآته المعلقة على الحائط يُحدثها عن أمنيته بالشهادة ، وفي ذات الوقت يعصب رأسه بالكوفية الفلسطينية ويزين أكتافه بعلم بلاده الذي عشق ترابها، حتى قاطعه صوت والده قائلاً:» اليوم ما تروح على مسيرات العودة عشان بدي أشتغل أنا وانت بالدار»، فما كان منه إلا أن يُجيب بالقبول. وبعد ثوانٍ قليلة، باشر الطفل معاذ الصوري عمله برفقة والده محاولاً إنجازه بسرعة، فقلبه يريد أن يُحلق في ميدان العودة كما العادة، وبعد نصف ساعة بدقة اضطر الوالد مغادرة المنزل، طالباً منه الاستمرار في العمل لحين عودته.
وبمجرد خروج الوالد من المنزل، قبل معاذ رأس أمه قائلاً:" يما بدي أروح مشوار وأرجع بسرعة "،وانطلق مسرعاً باتجاه مسيرة العودة شرق مخيم البريج وسط قطاع غزة، ليشارك أو يشاهد المسيرات فوقف بعيداً، لكن ذلك القناص اختاره دون غيره، فسدد نحوه رصاصة حاقدة اخترقت بطنه وأسقطته أرضاً، لينقل على اثرها لمستشفى شهداء الأقصى، في محاولة لإنقاذ حياته.
واستشهد الطفل معاذ الصوري( 15عاماً)، السبت الماضي، اثر اصابته برصاص متفجر بالبطن، أثناء مشاركته بمسيرة العودة وكسر الحصار شرق مخيم البريج يوم الجمعة الماضي .
ليلة مُظلمة
مرت ساعات طويلة على غياب "معاذ" و والداه يشتعلان خوفاً وقلقاً لغيابه، في حين كان هو مجهول الهوية يرقد في غرفة العمليات بلا مرافق، حتى شاهدا صورته غارقاً بدمائه تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، فلم يُصدقا أعينهم، وانطلقا بسرعة البرق صوب المستشفى للاطمئنان عليه.
وبمجرد دخولهما بوابة المستشفى، أخذ الوالد يركض باتجاه موظفي " الاستعلامات" متسألا عن طفله، فأجابه أحدهم أنه تم نقله قبل قليل لغرفة العناية المركزة، وهناك شاهدا طفلهما ممدداً على السرير موصولا بجسده الصغير الأنابيب والأجهزة الطبية، فلم يستطع تحمل المشهد وأخذا بدون وعي يتوسلان إلى الله باللطف بحاله وشفائه.
ويقول والد الشهيد بألم يعتصر قلبه:" لما شوفت ابني مُحاط بالأنابيب والأجهزة الطبية شعرت أن الدنيا ضيقة جداً عليا، فابني البكر بين الحياة والموت وأنا لا أستطيع فعل أي شيء له، سألت الطبيب عن حجم اصابته أخبرني أنه مصاب برصاص متفجر بالبطن وأُجريت له عملية استغرقت ساعتين، وأن وضعه سيء".
قلب الأب الذي فُطر على حُب نجله، بقي يتأرجح بين لوعة الانتظار ودموع الرجاء ليلة كاملة، حتى جاءه الخبر القاسي، ليُسرع إلى غرفة العناية ويلقي بنفسه فوق فلذة كبده والدموع تنهمر من عينيه ولسان حاله يصف حجم ألمه.
وأردف الوالد، بصوته الحزين:" كنت أنتظر خبر خروجه من العناية المركزة واستقرار حالته، لكن صدموني بخبر استشهاده، ما تمالكت نفسي وصرت أجري زي المجنون على الغرفة، لاقيته مكفن، حاولت أكذب عيني هذه المرة لكنها كانت صادقة"، مستكملاً:" ليلة استشهاده كانت قاسية جداً، ومظلمة لدرجة أنني لم أستطع رؤية شيء سوى جثمان طفلي".
" رحلة إلى الجنة"
" يما أنا هيك صرت جاهز للرحلة، جهزت كل اشي، اشتريت الحاجات والكورة، وحضرت أواعي السباحة، ضايل بس يجي يوم السبت ونكيف"، هكذا أعرب الطفل "معاذ" عن سعادته بانتهاء تجهيزاته لرحلة كان من المقرر أن يُشارك بها مع رفقائه بالمسجد يوم السبت الماضي، لكنه لم يكن يُدرك أن رصاصة إسرائيلية حاقدة ستحول رحلته إلى الجنة.
بعيونٍ مُحمرة من شدة الحزن، أضاف الوالد:" معاذ من أسبوع كان يجهز حاله عشان يطلع رحلة مع أصحابه بالمسجد يوم السبت اللي استشهد فيه، لكن الاحتلال حرمه منها و بعته رحلة إلى الجنة، وهي التي كان يتمناها أكثر من غيرها".
ويتابع:" منذ انطلاق مسيرات العودة معاذ مداوم على المشاركة في كل جمعة، كان دائماً يشارك مع رفاقه، وعندما نحاول منعه كان يغضب ويقول " بدي أروح عشان نثبت لليهود انه هادي أرضنا، ما راح نتخلى عنها"، مضيفاً:" "في كل مرة كنت أحدث نفسي الله يعلم يرجع أو لا، كنت أودعه بنظراتي دون أن يعلم".
واستذكر حديث طفله الدائم لأمه، قائلاً:" كان معاذ دايماً يحكي لأمه، أنا نفسي استشهد ما بدي أكون مصاب"، متسائلا :" ما هو ذنب معاذ أن يقتل بدم بارد، ما الجرم الذي اقترفه؟، أنا كأي أب فرحت كتير لما ابني كبر وصار سندي، لكن الاحتلال قتل فرحتي فيه".
نظرة الوداع
أما والدة الشهيد، فباتت تستجمع قواها تارة وتنهار تارة أخرى لكنها ورغم صعوبة حالتها الصحية أصرت على انتظار فلذة كبدها مع جموع المنتظرين لإلقاء نظرة الوداع ، كيف لا وهي من ربته ورافقته سنوات العمر بحلوها ومرها.
دقائق معدودة تمكنت خلالها من إلقاء نظرة الوداع عليه ولمس وجهه بيديها، ليمضي بموكبه الجنائزي دون عودة، لكن روحه بقيت محلقة في أرجاء منزل عائلته، وبقيت مقتنياته الطفولية في غرفته لتبقى ذكراه حاضرة في قلوب ذويه وعقولهم.
وانطلق موكب التشييع من مستشفى شهداء الأقصى، إلى منزل عائلته في مخيم البريج لإلقاء نظرة الوداع عليه، ليواري جثمانه الثري بمقبرة الشهداء بالمخيم ، وسط هتافات غاضبة، تؤكد مواصلة مسيرة العودة.


التعليقات : 0