الطفل مصبح.. رصاصة إسرائيلية تغتال حلمه بالرداء الأبيض!

الطفل مصبح.. رصاصة إسرائيلية تغتال حلمه بالرداء الأبيض!
محليات

 

غزة/ دعاء الحطاب

لم يكن كغيره من الأطفال، فهو الحبيب الذي يطيب لقياه، فقد أشجى الجميع بترانيم صوته، وهو الخطيب المفوه بأطيب الكلام، حافظ كتاب الله، وملاك الرحمة الصغير الذي حلق بميادين العودة بدون رداء أبيض.  فالطفل ناصر مصبح(12عاما) حرص على المشاركة بمسيرات العودة شرق قطاع غزة، وجعل منها حقلاً لتحقيق أمنياته، فتارةً يرافق شقيقاته المسعفات بإنقاذ حياة الجرحى والمصابين ليرى نفسه طبيباً هاما بالمستقبل، وتارةً يقف على أحدى التلال الرملية التي تطل على ساحة المخيم المقابلة للسلك الفاصل يُحاول رؤية ما يجري داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليُكحل عينيه برؤية بلدته المحبوبة « يافا».

 

لكن «ناصر» الذي ذهب للمشاركة في جمعة» انتفاضة الأقصى» متعجلاً، لم يكن يعلم أنه لن يعود إلا شهيداً محملاً على الأكتاف، ليلتحق بمن سبقوه من الشهداء الأطفال، ولن يتمكن هذه المرة من تحقيق حلمة بأن يكون طبيباً ويرتدي الرداء الأبيض، ولن يتمكن من العودة لأرضه.

 

وارتقى الطفل ناصر مصبح (12 عام) شهيداً، الجمعة الماضية، عقب اصابته برصاص الاحتلال الإسرائيلي في رأسه، شرق خانيونس جنوب قطاع غزة، خلال مشاركته في الجمعة السادسة والعشرين " انتفاضة القدس" من مسيرة العودة وكسر الحصار السلمية.

 

ناصر استشهد

 

هناك في مخيم العودة بمقربةٍ من السياج الفاصل، كان الطفل " ناصر" غارقاً بدمائه ورأسه مهتك بجواره، لأن اصابته كانت مباشرة، على نحو لم يتمكن المحيطون به من التعرف عليه، وأعلن خبر استشهاده بأنه " شهيد مجهول الهوية"، وفي الجهة الأخرى كانت أخواته المسعفات يبحثن عنه بين صفوف المتظاهرين، فهن لم يتوقعن للحظه أن ترصده القناصات الإسرائيلية.

 

بعد ساعات من البحث، لم تتمكن الأخوات من إيجاد شقيقهن " ناصر"، فما كان من الأخت الكبرى الا أن تتصل بوالدتها، قائله:" ألو يما، ناصر رجع على الدار؟"، الأم:" لا ناصر ما برجع الا معكم، ابحثوا عنه قبل العتمة"، حتى قطع حديثهما أحد الشباب عارضاً صورة شهيد على هاتفه المحمول، متسائلا:" هاد هو ناصر؟"، ليصرخن سوياً بأن ذلك الطفل شقيقهن "ناصر".

 

وظهرت الأم الحزينة بمقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تروي حُرقة قلبها بصوتٍ يضعف تارةٍ ويقوي تارةٍ أخرى، ليبقي البكاء بالقلب أشد وجعاً على رحيل وحيدها الذي طالما حلمت بقدومه.

 

وتقول والدة الشهيد:" ناصر كان يحب يشارك دائماً بمسيرات العودة، ويقول والله يما نفسي أشوف شو في بعد السلك، نفسي أرجع على بلادنا، لكن ابني بلحظة فقدته، قتلوه قبل ما يحقق حلمه بالعودة".

 

وبدموع الحسرة والألم، تتابع:" كان يسألني يما احنا شو اسم بلادنا، كان عارف انه اله أرض عشان هيك كان يروح على الحدود، ابني مش ولد عادي كانوا لما يسألوه ليش رايح يقول عشان النا أرض بيافا بحارة سكن درويش"، مستدركة:" كان حافظ كل المعلومات عن يافا بس ما لحق يرجع، راح لربه، الحمد الله".

 

لم يتجاوز الشهيد ناصر الحادية عشرة من عمره حين أتم حفظ كتاب الله، وهو أحد الطلبة المتفوقين بمدرسة المهاجرين الشرعية في خانيونس جنوب قطاع غزة.

 

وبقلبٍ يكتوي بألم الفراق، أضافت الأم المكلومة:" ناصر حفظ القران وعمره 11 سنه، كان متفوق جداً بدراسته، كان دائماً يقول نفسي أكون دكتور يما، كان بشارك في الصحة المدرسية، ويروح على الحدود مع خواته المسعفات ويقول يما أنا بحب أنقذ الناس".

 

وأنهت حديثها قائلة:" الحمد الله انه ناصر راح شهيد، الحمد الله".

 

 بدنا يضل بقلوبنا

 

لم يكن رحيل" ناصر" سهلاً بالنسبة لزملائه بالفصل الدراسي في مدرسة المهاجرين الشرعية ، خاصةً بالنسبة لصديقة الوحيد الطفل محمد جهاد، فقد جاء يبكي بين زحام المُشيعين يُريد رؤية صديقة لأخر مرة لكنه لم يستطع، فوضعه  أحد المُشيعين على ظهره، وأمعن النظر بجثمان رفيق دربه حتى المقبرة وهو يبكي بحرقة، ولسانه يردد "مين حيروح معي على المدرسة، ويلعب معي بعد اليوم؟".

 

وظهر صديق الشهيد عبر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، يبكي بحرقة، ويقول:" بدنا نحط صور ناصر بالمدرسة كلها، عشان ما ننساه وما نحس انه طلع من المدرسة، بدنا يضل معانا بكل وقت، الله يرحمه بدنا يضل بقلبنا ".

 

ويتابع والدموع تملأ وجنيته:" ناصر كان كويس، كان قارئ المدرسة، كل بداية حصة أو إذاعة مدرسية كان يقرأ القرآن بصوت حلو زي صوت عبد الباسط".

 

بعد لحظاتٍ من الصمت، وحرقة القلب تشتعل، تسأل صديقه:" وين حقوق الانسان، وين هدول اللي بقولوا في حقوق انسان، ليش بقتلوا الصغار، احنا لسه صغار ما شفنا حاجة بالدنيا بقتلوا فينا".

 

بصرخاتٍ غاضبة، انهي حديثه:" يكفوا شرهم عن غزة، شو هاد اللي بصير فينا، بناشد الأمم كلها انه يفكوا الحصار عن غزة، والله ما هيا عيشة، اتعبنا".

 

موكب التشييع

 

مجهولٌ في الأرض معلومٌ في السماء، صوته يتردد بالآيات يحفظه كل ملاك، يكاد يُسمع خطوك صاعداً في درجات الجنان، وأنت تقرأ وترتقي وتُرتل كما كنت تُرتل في الدنيا، ثم تستوي في منزلتك عند أخر أية تقرأها.

 

وانطلق موكب التشيع بمشاركة عشرات الالاف من المواطنين من مستشفى الأوروبي إلى منزل العائلة بخانيونس، لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه، قبل مواراة جثمانه الثرى بمقبرة الشهداء غرب المدينة.  

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق