غزة/ دعاء الحطاب
رصاصة كان يتمنى لو أنها أصابت رأسه مباشرة ليتحقق حلمه بالشهادة، ويلتحق بصديق عمره ،ويعود لمنزله مضرجاً بدمائه تستقبله عائلته شهيداً، ويتزين المنزل بصورة مخطوطٌ عليها “الشهيد البطل الذي روى بدمائه أرض الوطن»، هذا المشهد الذي كان يرسُمه في خياله ويصفه لوالدته التي كانت تستمع له دون أخذ كلامه على محمل الجد.
فقبل خمسة شهور، وبتاريخ 14/ 5 تحديداً، كان الشهيدان « منتصر الباز، وعبد الرحمن عقل»، يتسابقان للوصول إلى السياج الفاصل على الحدود الشرقية لمخيم البريج ، يُشعلان غضب جنود الاحتلال المختبئين خلف التلال الرميلة، فتارةً يحرقان إطارات السيارات «الكوشوك» لتشويه رؤية القناص، وتارةً أخرى ينصبان علم «بلادهما فوق السياج، حتى بدأ الجنود بإطلاق الرصاص الحي عليهما، ليرتقي « عقل» شهيداً بين يدي رفيقه « الباز».
الشهيد "الباز" منذ استشهاد صديقة "عقل" لم يُغادر ميادين العودة، فمرةً تجده في مواجهات "زيكيم" على الحدود الشمالية البحرية لقطاع غزة، وأخرى تجده في مواجهات معبر بيت حانون "إيرز"، وبشكل يومي على حدود مخيم البريج وضمن وحدة الارباك الليلي، فهو لم ينس دماء صديقة التي خضبت يديه، ولم ينس العهد الذي قطعاه سوياً.
"وعد نضل نشارك فيها سوا، وما نرجع منها إلا سالمين أو شهداء، ما بدنا نرجع مصابين"، بهذه الكلمات تعاهد الصديقان "الباز وعقل"، على السير معاً في طريق العودة إلى الديار المحتلة، منذ بدء مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار نهاية مارس الماضي.
وارتقى الفتى محمد الباز (17عاما) شهيداً، بعد إصابته برصاصة في الرأس أطلقها قناص إسرائيلي عليه شرق رفح جنوب قطاع غزة مساء الثلاثاء.
شهيدٌ منتظر
بينما كانت الشمس تلملم شتات أشعتها، كانت عائلة الشهيد بانتظار عودته كما كل يوم، يعود فيه إلى المنزل يتحدث عما حدث بالقرب من السياج الفاصل وعن الأحداث التي حصلت معه ومع المتظاهرين الذين اعتاد مشاركتهم في كل يوم منذ بدء مسيرات العودة الكبرى.
لكن هذا اليوم لم يكن كباقي الأيام، فهو يوم تحقيق الحلم الذي طالما انتظره وتحدث عنه لعائلته، فقد عاد" الباز" محمولا على الأكتاف غارقاً بدمائه، مكفناً بالأبيض، كما كان يحلوا له.
بعيون حزينة وصوتٍ يخالطه الألم، تقول والدة الشهيد:" كنت بستناه يرجع من المسيرات زي كل يوم مع أذان المغرب، لكن المرة طول كتير، ورجع محمول على الأكتاف غرقان بدمه".
" ادعيلي يما أستشهد، بدي أرفع راسك، وأشوف أبويا وصاحبي عبد الرحمن", بهذه الجملة كان الشهيد "منتصر" يخاطب والدته بشكلٍ دائم، في الوقت الذي كانت ترد عليه قائلة:" يما هو كل واحد بطلبها بنولها، الله ينولك إياها ويحقق أمنيتك".
وتتابع بحرقة لـ"الاستقلال":" منتصر كل يوم بشارك بالمسيرات، كنت أحكيله يما ما تروح من خوفي عليه، كان يقول يما ادعيلي بدي أستشهد عشان أشوف أبويا وألحق صاحبي عبد الرحمن، واليوم صار اللي نفسه فيه راح عندهم وفارقني".
وأردفت الأم المكلومة، والدموع تملأ وجنتيها:" كان مستعجل كتير على الشهادة، ما كنت بتوقع يستشهد بهادي السرعة، فراقة صعب كتير عليا"، مستدركة:" منتصر كان روح البيت، وضحكة قلبي، أغلى عليا من كل أولادي، لكن الاحتلال حرمني منه وحرق قلبي عليه، الله يحرق قلبهم".
ومنذ بداية مسيرات العودة وكسر الحصار، أصيب الشهيد ثلاث مرات، كان آخرها في قدمه، حيث ارتسمت على وجهه ابتسامة الثائر أثناء نقله بواسطة المسعفين من ميدان المواجهة.
وأضافت بابتسامةٍ حزينة:" منتصر تصاوب 3 مرات من بداية المسيرات، كان يروح مبسوط ويقول يما اليوم أجت على قد إصابة، بس ما راح أرتاح إلا أذا أجت الرصاصة براسي وأستشهد، والحمد الله راح شهيد".
نظرة الوداع
هناك داخل منزل الشهيد، نسوةٌ يبكين من ألم الفراق وصدمة اللحظة التي لم يتوقعن حدوثها رغم الحقيقة السوداء في بيتٍ خيم الحزن عليه، وقلب أمٌ يتقطع وينفطر ألماً على رحيل فلذة كبدها، وصرخات أخواتٍ فقدن سندهن الفذ، جميعهم ينتظرون اطلالة قمر الشهيد.
وبمجرد دخول جثمان الشهيد "الباز" الى منزل عائلته ، انفض الجالسون من أماكنهم وافسحوا الطريق أمام والدة الشهيد، حيث تقدم المشيعون بالجثمان، ووضعوه أمامها، تقدمت الأم المكلومة ناحية جسد ابنها المسجى أمامها، وأطالت النظر الى وجهه الناضر، ثم طبعت قبلة الوداع على جبينه.
وانطلق موكب التشييع بمئات المشاركين من مستشفى الشفاء بمدينة غزة، مروراً ببيت الشهيد لإلقاء نظرة الوداع عليه، وأداء صلاة الجنازة في مسجد الشهداء بالمخيم، ثم ووري الثرى بمقبرة النصيرات المركزية.


التعليقات : 0